إطار القرابة .
لقد أصبح ذلك ممكنا الآن ، مع التفكيك الذي أصاب مجتمعات الدولة العثمانية بفعل الاختراق الرأسمالي والسياسات الأوروبية المتنافسة ، ونمو حالات من الوعي القومي والاثني والمللي الاجتماعي والسياسي ، بعد أن كان الوجه البارز للتنظيمات العثمانية هو وجه المركزية السياسية والإدارية الصارمة ، الذي برز مع سياسة السلطان عبد الحميد كمركزية استبدادية سلطانية « 1 » ، ومع ظهور حزب الاتحاد والترقي كدكتاتورية عسكرية ذات طابع عنصري تركي ، والتي استكملت على الصعيد الداخلي بسياسة « التتريك » . فالدعوة إلى « الوحدة الإسلامية » التي تبناها عبد الحميد كوسيلة إنقاذية للإمبراطورية العثمانية ، حلّت محلها التعبئة التركية الشوفينية ، في محاولة لفرض إيديولوجية دولة « عنصرية » على الجميع ، وفي وجه تقهقر الدولة وتفكيكها . ومع نمو « الهويات القومية » سار « الاتحاديون » بالمقابل في طريق الدعوة إلى « قومية طورانية » ، تعتمد التعبئة الاستعلائية والاحتوائية حيال القوميات الأخرى « 2 » .
وأمام احتدام التناقضات ، بين مواقف الاتحاديين واكتشاف مطامع فرنسا في سوريا على صورة مشاريع إلحاقية ، كانت الاتجاهات والمواقف السياسية في جبل لبنان ، تتطور وتأخذ لنفسها برامج وصيغ عمل مختلفة عن المراحل السابقة .
فعلى صعيد المواقف ، يشير ندرة المطران ، إلى وجود خلاف برز في موقف المسلمين والمسيحيين في السنوات الأخيرة . أي بعد أن منح « الاتحاديون » تركيا نظاما دستوريا عبّر فيه المسيحيون عن رغبتهم بالتعاون مع الغرب عن طريق التدخل الأوروبي ، بينما كان المسلمون يعلّقون الآمال على رجال « تركيا الفتاة » ، وفي أن يتمكن هؤلاء من تدعيم قوة الإمبراطورية التي تجسد عظمة الإسلام الخالدة . وكان هذا الخلاف يتعمق كلما تصاعدت أشكال التدخل الاستعماري في المشرق العربي ، وكلما ارتفعت أصوات الاهتمام « بسورية » من قبل الدبلوماسيات الأوروبية « 3 » .
وفي ظل اختلاف هذه الدعوات ، لابد من التعرف على موقف مواقع السلطة المحلية التي ستفرض عليها طبيعة تطورات المرحلة ، البحث عن مرتكزات ثابتة لتحديد دورها في مرحلة تقهقر السلطة المركزية ، وحلول سلطة بديلة على أنقاضها .
هامش
( 1 ) وجيه كوثراني ، الاجتماع السياسي ، من العثمانية إلى صيغة الانتداب ، جريدة السفر ، 2000318 .
( 2 ) وجيه كوثراني ، الاتجاهات الاجتماعية السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي ، 1860 - 1920 ، مرجع سابق ، ص 194 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 202 .