وهكذا انتهى الأمر به إلى أن يحفظ الذمام نصف حفظ فوفى للخليفة ولم يف لرئيس الرؤساء . . .
ومضى برئيس الرؤساء يا لضخامة اللقب ! ! مضى به إلى البساسيري ، فلما وقعت عينه عليه قال له : مرحبا بمهلك الدول ومخرب البلاد .
فتذلل رئيس الرؤساء قائلا : العفو عند المقدرة .
فقال البساسيري : لقد قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان ، وركبت الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي ، فكيف أعفو أنا ، وأنا صاحب سيف .
يشير بذلك إلى أن رئيس الرؤساء لم يكن صاحب سلطة فعلية في ظل أصحاب السلطة الحقيقيين ، ومع ذلك فقد فعل ما فعل .
وأما الخليفة ، فإن قريشا نقله راكبا إلى معسكره ، محتفظا له بكل مظاهر الكرامة : عليه السواد والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء . وأنزله في خيمة بالمعسكر ، وأخذ زوجته ، أرسلان خاتون ، وهي ابنة أخي السلطان طغرل بك ، فسلمها إلى أحد أخصائه ليقوم بخدمتها .
أما دار الخلافة فقد ظل النهب فيها أياما .
وقد اختار قريش أحد بني عمه ممن فيهم مروءة ودين ، فسلمه الخليفة ليوصله إلى مأمن خارج بغداد ، فحمله في هودج وسار به إلى بلدة ( حديثة عانه ) وتركه بها .
جرى هذا كله والسلطان طغرل بك غائب بجنوده عن بغداد ، فأسرع أصحاب الخليفة وخدمه إليه مستنفرين .
سيطر البساسيري على بغداد ، وجاء عيد الأضحى ، فسار إلى المصلى تخفق عليه الألوية الفاطمية ، معلنا بذلك التحاق بغداد بخلافة الفاطميين .
وأحسن السيرة في الناس ، وبشهادة ابن الأثير : لم يتعصب لمذهب ، وأجرى الجرايات على المتفقهة .
وكانت والدة الخليفة وقد بلغت التسعين لا تزال في بغداد ، فأفرد لها دارا وأعطاها جاريتين من جواريها لخدمتها ، وعين راتبا تعطاه لنفقاتها .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 42
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٤٢