تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وفي تلك العصور كانت إذا نشبت الحرب بين حكم شيعي وحكم سني ، فإن انتصر الأول كان أول ما يفعله هو الأذان بحي على خير العمل وإلغاء : الصلاة خير من النوم في أذان الصبح ، وإذا انتصر الثاني كان يفعل العكس . فنور الدين محمود ، مثلا ، عندما افتتح مدينة حلب - وكانت شيعية - كان أول أمر يصدره هو إبطال حي على خير العمل من الأذان ، والإعلان بالصلاة خير من النوم في أذان الصبح ، وهدد كل من لا ينفذ هذا الأمر بالعقوبة الشديدة . وأرسل مراقبين إلى مآذن المدينة كلها يرصدون له ما يجري ، فجاء الجواب بأن أوامره نفذت في جميع المآذن ما عدا واحدة منها ، رفض مؤذنها في أذان الصبح أن يؤذن بالصلاة خير من النوم . فأمر بأن يرمى من أعلى المئذنة إلى الأرض ، ففعل به ذلك ومات تلك الميتة المروعة ! . . وفي المقابل : عندما نجح إسماعيل الصفوي في إقامة الدولة الشيعية في إيران ، كان إذا فتح مدينة ، فأول شيء فعله : الأمر بالأذان : حي على خير العمل ، وإلغاء : الصلاة خير من النوم من أذان الصبح . وكان في ذهنه ما فعله نور الدين محمود في حلب ، فأرسل مراقبين إلى جميع المآذن ، فجاءه الخبر بأن مؤذنا واحدا أذن صباحا بالصلاة خير من النوم ، فأمر بإلقائه من أعلى المئذنة إلى الأرض ! . . بهذه الفظائع الوحشية كان التعامل نصرة للمذاهب ، وتأييدا في زعمهم للدين ! ! أما السنيون في بغداد فلم يبالوا أن يؤذن في جامع المنصور بحي على خير العمل ، وأن يعلن انضمامهم إلى خلافة شيعية ما دام في ذلك تخلصهم من حكم السلاجقة . إن في هذه الأحداث البغدادية من العبر ما علينا إلا أن ننظر إليه بعمق وتفكر ، وما يدل على أن العصبيات المذهبية التي طالما أدت إلى الفتن والتقاتل والتذابح ليست من أصالة الشعوب ، بل إن الذين يحركونها إما أن يكونوا عمي البصيرة أو من المستغلين المستفيدين .