وبعد هذا النصر رجع البساسيري إلى معسكره مترقبا ما يحدث ، وإذا بالخليفة يأمر بدوام القتال على سور الحريم ، ولكنهم فوجئوا بالزعيق ونهب الحريم ، وهنا رأى الخليفة أن يلجأ إلى هيبة الخلافة ومظاهر قوتها ، فركب جواده لابسا السواد شعار الخلافة ، وعلى كتفه البردة شاهرا سيفه ، وعلى رأسه اللواء ، وحوله زمرة من العباسيين ، والخدم بالسيوف المسلولة ، فإذا به يعلم أن النهب قد وصل إلى أبواب داره ، وأن كل هذه التهويلات لم تجد شيئا ، فتراجع إلى الوراء ، ومضى نحو أحد كبار رجاله صاحب لقب ( عميد العراق ) فوجده قد استأمن إلى قريش ، فعاد وصعد المنظرة يائسا .
وبرز هنا وزير الخليفة رئيس الرؤساء الذي كان بحقده وقصر نظره سبب هذه المحنة برز محاولا حماية الخليفة الذي ورطه بهذا كله باستنهاض مروءة قريش ، فصاح :
يا علم الدين ، يعني قريشا : أمير المؤمنين يستدنيك . فدنا منه قريش ، فقال رئيس الرؤساء : قد أنالك اللّه منزلة لم ينلها أمثالك . وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأهله وأصحابه بذمام اللّه تعالى وذمام رسوله ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) وذمام العربية .
ومعنى هذا : أن الخليفة يضع نفسه وأهله وأصحابه في حماية قريش ، مستسلما لقضاء اللّه ! . .
وكان قريش عند أمل الخليفة ، فأجاب : قد أذم اللّه تعالى له ، قال : ولي ؟ ولمن معه ؟ قال : نعم . وتوكيدا لذلك خلع قريش قلنسوته وأعطاها الخليفة ، وأعطى مخصرته رئيس الرؤساء ذماما .
فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وصارا معه .
وبلغ خبر ما جرى البساسيري ، فأرسل إلى قريش : أتخالف ما استقر بيننا ، وتنقض ما تعاهدنا عليه ؟ ! .
وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل لهما وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر بشيء . وحلا للإشكال ، وحذرا من وقوع الخلاف بينهما : اتفقا على أن يسلم قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه وأن يحتفظ بالخليفة .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 41
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٤١