وتوصلوا ، وقالوا نخدم السلطان بخمسين ألف رأس ، من جمال وأفراس ، وبمائتي ألف دينار ركنية ، وبمائتي ألف رأس غنم تركية . ونحضر قتلة ولد قماج ، ونلتزم كل سنة بخرج وخراج . وخشعوا ولانوا ، وخضعوا واستكانوا . فأغلق سنجر باب القبول في وجوه هؤلاء الوجوه ، وأبى أن يعاملهم بغير المكروه . فتوهلوا وتوجلوا ، وتعزلوا واستقتلوا . ولجأوا إلى أرض لا يسلك إليها إلا في واد لا يسع عرضه أكثر من مائة فارس ، وأعدوا في الطرقات الطوقان ، على رسم قتال التركمان . ونشروا المصاحف يطلبون أمان أهل الإيمان . ثم اشتدوا ، وأعدوا واستعدوا . وجعلوا الخركاهات كالأسوار محدقة ، ونيران النصال من ورائها للحدق محرقة . وصبروا حتى لابسهم العسكر ، وفي قلبه سنجر . وامتلأ الوادي بسيل الخيل ، واجتاب النهار لباس الليل . وكانت في المقدمة أمراء خاروا وخاموا ، وهموا بما وهموا وهاموا . واغتنم الغز إضعافهم ، وركبوا أكتافهم ، يقتلون ويأسرون ، ويصدمون ويكسرون . وعز المخلص من المضيق ، وفرشت جثث القتلى على الطريق . وقتلوا الأمير قماجا وولده ، وأتوا على العسكر وأفنوا عدده وعدده . وخلصوا إلى السلطان سنجر وهو في خف من خواصه ، وجواده قد بخل بخلاصه . فأحدقوا به إحداق الأهداب بالحدقة ، وحصل في وسط تلك الحلقة المحدقة .
وبقي كالمركز في الدائرة ، ووقع في الأيدي الجائرة . ونزل أميرهم وقبل الأرض وأمسك بعناده عنانه ، وأطلق بدعائه لسانه . وقال : " إن قومك فتحوا بالأذية ، ولم يحسنوا رعاية الرعية . ونحن خولك حولك ، نقول بقبولك ونسمع قولك " . وأفردوه عن أصحابه ، وعوضوه عن عز جماحه بذل أصحابه . ومكث معهم ثلاث سنين كالأسير ، وقد أرضوه من طعامه وشرابه باليسير . لكنهم يجلسونه على السرير ، ويقفون ماثلين بخدمته سوى قرغود وطوطي بك الأمير . وانتشروا في البلاد انتشار الجراد ، ودب دبابهم بالفساد . وأذهبوا الأموال والنفوس ، وأعدموا النعم وأوجدوا البؤس . وخربوا مدينة نيسابور وقتلوا أهلها تحت العذاب ، وسفكوا دماء العلماء والأئمة في المحراب .
وكانوا يستصحبون سنجر معهم ، وهو لا يقدر أن يردعهم . وربما خشن عليهم في القول ، ونهاهم ونهرهم ، وسبهم وسبعهم ، وهم لا يجيبونه إذا نجههم بالمكروه وأسمعهم .
ولما يئس الباقون من عسكر سنجر من خلاصه ، ورأوا مضيقا عليه في قفص اقتناصه ، فرقوا وتفرقوا ، وخفقوا وأخفقوا . فهرب منهم في آخر عمره ووقع إلى ترمذ ،
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 369
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٣٦٩