وبرد ملكه بالحسن يتوشى إلى أن أراد اللّه شت الشمل ، وبتّ الحبل . فسلب العز ، وسلط الغز . وتحللت عقود الدولة ، وتفللت حدود الصولة . وانقضى الدهر ، وقضى الأمر .
ذكر نوبة الغز وذلك في سنة 548 ه
قال - رحمه اللّه - : الغز من التركمان طائفة ، للضيم عائفة . وكانت في اهتمام الأمير قماج ، وهي تحمل إليه ما عليها من الخراج . وأميراها قرغود وطوطي بك يخدمان الحضرة ، ويحضران الخدمة . وما زالت شوافعهم مقبولة وذرائعهم موصولة . حتى تجنى عليهم الأمير قماج ذنبا تنصلوا منه فلم يقبل ، وتحيلوا في تحليل عقد سخطه فلم يتحلل . وأرضوه بكل طريق وطريف فلم يرض ، وضيق عليهم من واسع البسيطة الطول والعرض . واضطرهم إلى مضرته ، ودفعهم إلى الشر لدفع معرته . فأوحشوه وناوشوه ، وهارشوه وهاوشوه . ولم يتركوا في جلاده جلدا ، وقتلوا له في تلك الوقعة ولدا . فازدادت ضراوته ، وثار ثاره ، والتهب ناره . وأبرق وأرعد ، وأرغى وأزبد .
وغض غضبه من حلمه ، وسد جهله سبيل علمه . وحضر صلحاء القوم في إصلاحه ، وانتهوا في البذل إلى غاية اقتراحه ، وبذلوا له إحضار قتلة ولده ، وإيقاعهم في يده . فأبى إلا قتلهم وقتالهم ، وقلعهم واستئصالهم . وماج قماج في بحره الزاخر ، وصرف إلى قصدهم أعنة العساكر . فركبوا إليه وأكربوه ، والتهبوا به وألهبوه ، وهزموه وهشموه .
فجاء إلى سنجر وهو قلق حنق ، وكأنه بالغيظ مختنق . وقال له : " قد اختل الملك ، وانحل السلك . فإن قعدت عنهم أقاموك ، وإن لم ترمهم ولم ترمهم رموك وراموك .
فانهض إليهم بجنودك ، ورد نحوسهم بسعودك " . فلم ير أحد من أولئك الأمراء إثارة أحد لذلك الأمر ، وما شاروا بالشر . وقالوا لسنجر : " إن هذا قماجا قد شاخ ، وباخ وخشي وخاب ، وأخطأ الصواب . فإن أنجدته خذلت ، وإن هويت هواه لذعت وعذلت " . فأنف قماج ، وشنف وعنف ، ولم يزل بسنجر حتى صغا « 1 » صغوه ، ونحا نحوه . وأمر أمراءه بالتأهب ، وأضرى ضرمه بالتلهب . وسار في جمع كالخضم زاخر ، وسواد كليل المحب بلا آخر . فلما عرف الغز أنهم غزوا وإلى الشر عزوا ، وصلوا
هامش
( 1 ) صغا : مال .