تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
السلطان سنجر ما اشتملت عليه خزانته ، لتظهر كفاية متوليها وأمانته . فقلت له : أخدمك بألف ثوب أطلس حتى تبصره ، وتستعرض صامته وناطقه . فسكت ، وظننت أنه رضي بما ذكرته . فجئت إلى الخزانة وأبرزت ما فيها وأظهرته . وكان فيها ما لم يجتمع قط في خزانة سلطان قبله من طرائف يعز وجودها ، وجواهر تجل عقودها ، وصرر أكياس قد ملأت الفضاء نقودها ، وأعلاق لا يعرف لها قيمة ، وصناديق لآلئ كلها يتيمة . فلما نضدته وأبرزته ، ولفقت كل جنس ونوعته وميزته ، جئت وقلت له : " أما تبصر مالك ، وتشاهد حالك . وتشكر اللّه الذي خصك به وأتالك ؟ " فقال : " يقبح بمثلي أن يقال عنه إنه مال إلى المال ، أو أنظر إليه أو أخطره بالبال . ففرق ما جعلته لي من الثياب الطلس على الأمراء ، وأعرض عليهم ما في الخزانة من تلك الأشياء . وقل لهم يقول لكم سنجر : قد ادخرت هذا لكم ، وجمعته لأفرقه في قمع عدوكم وجمع شملكم " . قال : ففعلت ذلك ففرحوا واستبشروا ، وحمدوا وشكروا . وكان سنجر لا يدخل خزانته ولا يعيرها نظره ، ولا يوجد بخاطره منها خطرة . وكان لكرمه يحسن الظن بنوابه ، ويسلم حكم القلم إلى كتابه ، مفضلا على أصحابه ، ويقول : " إن الدنيا فانية ، فندعهم يرتعون معنا ، ويسعهم من النعم ما وسعنا " . وكانت جواهره في طبول مختومة بختمه ، محفوظة باسمه . فإذا أراد منها شيئا استحضرها ، وفض خواتيم أقفالها وأخذ منها ، ثم أعادها بختمها إلى حالها .

ذكر سبب اختلال ملكه وانحلال سلكه

قال : لما امتدت مدة حياته ، وأمدت بالطول مادة عمره ، تسلط الأمراء على سلطان أمره ، وتسحّبوا على قدره ، وحقر الصغير حق الكبير ، وتأخر الكبير لتقدم الصغير . واستخفّ الوقور ووقر الخفيف ، وصرف الضعيف . ووقع التحاسد بينهم والتحاقد ، وارتفع وانحل التساعد والتعاقد . وكان أكابر الدولة في ذلك العهد ، سنقر العزيزي ، ويرنقش هريوه ، وقزل ، وأضرابهم . وأقدم منهم قماج ، وعلي الجتري . وقد اختلفت آراؤهم وأرابهم ، وركب كل منهم أم رأسه ، وعض على الأضرار بأضراسه . فأول خطأ أصاب سنجر كسر الكافر الخطائي له ولعسكره ، ورد صفو ملكه إلى كدره .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 364 | عماد الدين الكاتب الأصبهاني