من رأيت حل إقطاعه وتعقده عليه ، وتأخذ بلد من شئت وتفويضه إليه . وتجعل له خزانة كخزانتي بالمال مملوةّ ، وبأجناس الصياغات الذهبية والفضية مجلوة . وتجعل له ديوانا مجملا بأماثل الكتاب ، وأفاضل النواب ، بحيث يكون بعد أسبوعين صاحب عشرة آلاف فارس " .
قال : فاستمهلته ثلاثة أشهر فما أمهل ، وأمر بترك الريث واستعجل . فما زلت به حتى فسح لي في مهلة شهر ونصف ، وشرعت في الأمر وأنفقت على ما قدره في عشرين يوما سبعمائة ألف دينار ركنية ، وذلك سوى ما نقلته إليه من الخزانة من الآلات الخسروية ، والثياب المعدنية . وذلك سوى الإقطاعات ، والولايات والتقريرات .
ثم أخبرته ، ولم يمض الشهر ، بأنه قد استمر الأمر ، فركب السلطان سنجر ، فرأى العساكر صفوفا ، والخيل صفونا حول سرادق سنقر الخاص ، فرأى رواء ظاهرا ، وبهاء باهرا . قال : فعانقني وشكرني ، ونوه بي وذكرني . وفوض إلىّ أمر خزانته ، وأمرني بتحصيل مطالبه ، ووصى كلا منا بصاحبه .
قال : فلم يمض سنتان حتى اشتعلت نار خده في الدخان فشنف « 1 » وأنف وعاف وعزف ، وسنقر يزيد في التسحّب عليه والتبسط ، ويستديم مع عادة التسلي عنه عادية التسلط . وزاد في غيظ الأمراء ، واستحقار العظماء ، واستصغار الكبراء . وهو لا يبالي بسنجر إذا توعده ، ولا يلتفت إليه إذا تهدده فاستدعى السلطان يوما جميع أمرائه إلى حجرة مفردة مفردين . ومن جميع أصحابهم سوى سلاحي واحد مجردين . وقال لهم :
إذا دخل سنقر الخاص إليكم ضعوا فيه بأجمعكم السكاكين . فبادروا إلى ما أمروا به وامتثلوا ، ووثبوا إليه ومثلوا . وعاد ذلك الضياء يجورا ، وذلك البهاء هباء منثورا .
قال : ومنهم قايماز كج كلاه قاتل وزيره ، وقد آل تعظيمه إلى تصغيره . ومن جملة من حباه بحبه ، واختصه بقربه ، الأمير المقرب الأجل اختيار الدين جوهر التاجي .
وكان مملوك أمه ومن خواص خدمها ، وكانت توفيت أم سنجر في شوال سنة 517 ه ، فانتقل هذا الخادم إلى خدمة سريره ، ثم غلب حبه على ضميره ، فغلب بذلك على تدبيره ، ورقاه إلى ذروة لم يتسنمها أحد قبله ، وأسماه إلى رتبة لم تر فيها عين مثله .
هامش
( 1 ) شنف : أبغض .