تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وقطع الأقوات بجدع الأنوف وقطع اليدين . ووصل إليهم من الحلة أمراء بني أسد ورجالها ، وفتاكها وأبطالها . وقالوا هذه بغداد من جانب دجلة ما عليها سور ، وتوانيكم في هجمها قصور وفتور . فسلموا إلينا المراكب لنهجمها ، وما أسهل علينا أن نقتحهما . وأذن لهم السلطان في الزحف ، فركبوا المركب مستلئمين معلمين ، وعبروا إلى المدينة ، على الموت مقدمين . ولما وصلوا إلى قرب السور ، خرجوا من السفن شاكين ، فخرج إليهم من الباب من مماليك الخليفة من طاردهم وجالدهم ، وهم مع ذلك يبعدون من الشاطئ ، ويوسعون إلى الموت خطوة المصيب غير الخاطئ . ثم كثر عليهم رجال بغداد كثرة حصلوا منها تحت العسر ، وفي قبض الأسر . وتظافروا إلى السفن فغرق أكثرها ، وانخسف بهم موقرها . وقبض الأمير حسن المضطرب وأخوه ماضي ، وعدة وافرة من معروفي بني أسد ، وعدم كثير ممن غرق أو قتل أو فقد . وأمر الخليفة تلك الليلة بصلب حسن وأخيه على دقل زورق ، وأصبح الباقون على السور ما بين مصلوب مشنق ، ومقتول معلق ، ففتح اللّه لخليفته من المهابة لأوليائه والمهانة لأعدائه كل باب مغلق . وسقط في أيديهم بعد ما بسط من تعديهم . ولما طال الحصار ، وتمادى الانتصار ، خاف الخليفة الغلاء ، ففتح الأهراء ، واقتصر للأجناد في الأعطيات على تفريق التمور فيهم والغلات . وأخذوها ، واحتاجوا إلى أثمانها في النفقات ، فرموها في الأسواق وباعوها بالدينار . فخمد بذلك استعار نار الأسعار ، وما زاد سعر في الأقوات ولا غلا مطعوم في وقت من الأوقات . وفي صفر سنة 552 ه ، وصلت قافلة الحج ، فوجدوا دار الخليفة محصورة ، والهمم من الخارجين على خلاف تعظيمها مقصورة ، ونزلوا في المعسكر السلطاني ، ثم تفرقوا إلى بلادهم ، ورحلوا طالبي أغوارهم وأنجادهم ، ومن كان من بغداد تحيل في الدخول إلى منزله ، والوصول إلى منهله . وببغداد حينئذ خلق من التجار ، يريدون بل يؤثرون مرافقة الحاج ، ويقولون متى أخذوا البلد نهبوا بضائعنا ، واستخرجوا ودائعنا . فحضروا التاج ، وأكثروا الضّجاج . وحاولوا من ضيقهم الإفراج . فقال لهم الوزير : " أمير المؤمنين يقول لكم : أنتم في حرم إحساني ، وفي ضمان أماني . ولكم بي أسوة ، وهذه النوبة ، ما لها نبوة . وأموالكم في البلد مصونة ، وبأسباب الرعاية منا مضمونة .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 348 | عماد الدين الكاتب الأصبهاني