الاستظهار وظهر التوفير ، وأثمر الرجاء ورجي التثمير وقال للسلطان : قد اتسقت الأحوال ، واتسعت الأموال . وقد فرغ البال لشغل بغداد ، فاسترجع حقك المغصوب ، ولا تترك نجحك المطلوب . فإنها دار ملكك ، ومقر أبيك وجدك . وأنت إذا مضيت بنفسك ، فما يقف قدامك أحد ، ولا يكون معك لأحد يد . فلما حضر الربيع مائدته ، ووفر فائدته ، وأحسن عائدته ، عاد السلطان إلى همذان ، وذلك في سنة 550 ه ، ورحل على سمت بغداد ، ورحل عدة مراحل ، ونزل في قصدها منازل . ثم بدا له فعاد ؛ لأن الأمراء الذين سبقت منهم المواعدة على المعاودة أخلفوا العدات ، ولم يطاوعه العسكر على مفارقة البيوت والإقطاعات ، عند إدراك الغلات . فانصرف راجعا ، وتوجه إلى أذربيجان ، وتم المصاف الذي نصر فيه على عمه سليمان . ثم عاد إلى مقر ملكه ، وفي قلبه من أمر بغداد همّ شاغل ، في صميم روحه وأغل . وعلم أن الجند لا يفارق بلاده في الصيف ، فإنه لا يجمع بين حر بغداد وحر السيف . فواعدهم في الخريف ، وأمنهم من الغرر المخيف . واشتغل بالاستعداء والاستعداد . والاجتهاد في الاحتشاد . وتجهيز الكتب إلى مجهزي الكتائب . وتبريز المضارب ، وتمييز الطلائع والمقانب « 1 » . فارتحل لما انقضى المصيف وأقبل الخريف .
ذكر وصول السلطان محمد إلى محاصرة بغداد وما اعتمده أمير المؤمنين المقتفي لأمر اللّه من حسن الصبر المعقب حميد الظفر والنصر
قال - رحمه اللّه - : وصل الخبر إلى بغداد في ذي القعدة سنة 551 ه ، بأن السلطان محمد قد قرب في عسكر هائل ، وعرمرم صائل . وهو بمنزل " قصر قضاعة " فصدق اهتمام الخليفة بالاحتراز والاحتراس ، وأجدّ لباس الجد للباس . وبالغ في تحصيل العدد ، وتحصين البلد . وأدار بالمنجنيقات سورا على السور ، وملأ أبراجه بالحماة المساعير . وخرج الوزير ابن هبيرة وخيم تحت التاج الشريف ، عند المثمنة على شاطئ دجلة ، بحيث يطل الخليفة من المثمنة على خيمة وزيره ، ويقرب الاستثمار في دقيق الأمر وجليله ، وقليله وكثيره . وفتح باب الكرم المرتجى المرتج . وثبت قلب
هامش
( 1 ) المقانب : جمع مقنب ، وهي جماعة الخيل تجتمع للغارة .