ثم أركبوه وخرقوا به السوق ، حتى عبروا به باب سور السلطان وأنزلوه بدار السلطنة ، ووظفوا له الرواتب ، ورتبوا له الوظائف ، وشرفوه وسوروه وطوقوه ، وخطبوا له على المنابر في الجمع والجوامع . وخصوه بالعوارف والصنائع النصائع .
لكنهم لم ينعتوه إلا بالمعظم ، ولم يسموه بالسلطنة ولم يسموه ، وكانوا يقتصرون به على المعظم . وذلك غاية أن يعظموه ، لكنه كان في قدّ عقله من غفلته ، وعي لهجة من غيّ جهلته . وفي كسرة من سكرته ، وفي ذلة من لذته . فما زال مدة مقامه مستحلا لمحارم شهواته ، مستحليا مذاق اللهو في لهواته ، مترنما بنغماته ، متبغما بخرافاته . والخليفة مع ذلك في ولائه معتقد وللوائه عاقد . متيقظ لتدبير مصالحه وهو عنها راقد . وقد أوعز إلى عساكره بالتأهب للمسير في خدمته ، وإعادته إلى عادته في سلطنته . واستوزر له شرف الدين الخراساني ، وكان رجلا كبيرا يرجع إلى سؤدد وكرم محتد . وكان قد وصل إلى بغداد في عهد السلطان سنجر رسولا ، وأعاد البردة والقضيب النبويين معه إلى دار الخلافة ، وكانا قد أخذا في النوبة المسترشدية .
وأقام شرف الدين هذا في الظل الأمامي ، وهو مخصوص بالاحترام ، فرأى المقتفي أن يجعله وزير سليمان ، وسيره إلى أذربيجان . وجهز معه عساكر وافية العدد ، وافرة العدد . فمضوا به إلى أرّانية ثقة بأتابك إيلدكز فما رفع بهم رأسا ، ولا قراهم إيناسا .
ووصل السلطان محمد بن محمود وجرى المصاف ، ووقع بين الفريقين الانتصاف . ثم انهزم سليمان موليا ، وعن عسكر الخليفة متخليا . فعادت العساكر إلى بغداد عادمة للظفر ، نادمة للسفر . ورجع سليمان عائدا إلى بغداد في طريق الدربند القرابلي ، فصبحه زين الدين علي كوجك من الموصل ، وقبضه في المضيق ، وحمله إلى قلعة الموصل . واعتقله وأراحه من التعب ، وأباحه ما كان يؤثره من اللعب ، وكان ذلك في شعبان سنة 551 ه .
ذكر اتصال الملك جغري شاه بن محمود بأخيه السلطان محمد
قال - رحمه اللّه - : كان الملك جغري شاه مع أتابك آياز في أذربيجان . فشغل خواطر الأميرين إيلدكز وأرسلان آبه ، صاحبي أذربيجان ، عند اتصالهما بالسلطان سليمان ، بعد انهزام محمد إلى أصفهان . فلما عاد محمد إلى السلطنة ، سير شرف الدين