وعاتبهم على الملك الذي ند منهم . وقال : " كسرتم ناموسكم ، وأتلفتم نفوسكم ، وأهلكتم التركمان وعرضم للسبي الذراري منهم والنسوان . ثم أخرجتم الملك أرسلان وغفلتم عن حفظه ، وهو الآن عند إيلدكز ، وستبصرون ما يفضي إليه الأمر . ولابد أن يتوجه إلى من جانبه الشر . وقد صار الخليفة خصما ، فلا يخلص بعد هذا ورد دولتنا معه من الشوب ، ولا يقبل على قبول التوبة ولا يرتضي صوابا إرضاء هذا الصوب " .
وكان كما حسب . فإن الخليفة لم يغفر للسلجقية بعدها ذنبا ، ولا فرغ لهم من جهته قلبا ، وكانت الوقعة ببجمزا في أواخر سنة 549 ه .
ذكر وصول السلطان سليمان بن محمد بن ملكشاه إلى بغداد وقبول الخليفة له وتجهيز الجيش معه وذلك في سنة 550 ه
قال - رحمه اللّه - : كان سليمان قد تخلى عن الملك وأخلى سريره ، ووافق إدباره تدبيره . يدور في البلاد ويبلي بالدوائر ، وينجد مع المنجد ويغور مع الغائر . لا يستقر به قرار ، ولا تؤويه دار ، ولا يجيره جار . فلم ير لأمره وأمنه حاميا غير حمى أمير المؤمنين ، فقصد أن يعلق من عصمته الحبل المتين . قال : وكنت حينئذ ببغداد ، فوصل الخبر بأن سليمان قد دنا ودان ، فقابلوا بوفور القبول وفوده وأكرموا وروده . ولو وفوه حق السلطنة لتلقاه الوزير ومعه قاضي القضاة والنقيبان ، وأجلاء الخدم كما جرت عادة السلطان . لكنهم اقتصروا في تلقيه على موكب شريف يقدمه عز الدين محمد ابن الوزير ، ومعه مخلص الدين بن الكيا الهرأسي وخادمان ، ووقف الموقف خارج البلد ، حتى قرب ، ثم لقيه ابن الوزير وخاطبه بكل ما أطربه وأعجبه . وقال : " أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - يسلم عليك ، ويهدي تحيته إليك " . وترجم ابن الكيا الهرأسي له هذا السلام بالفارسية . فنزل سليمان عن فرسه ، وقبل الأرض ، ثم ركب ودخل البلد ، وخرق الأسواق من باب سور الحلبة ، إلى أن جاوز فرضه الرحبة . وحين وصل إلى باب النوبّي أنزلوه ، وألزموه بتقبيل العتبة وقد أكرموه وهناك حجر ، إذا وصل الرّسل ومقدمو الحاج ، نزلوا عنده ولثموه وعظموه . وما قبّل تلك العتبة قبل سليمان سلطان سلجقي ، ولا ملك ديلمي . وكان منهم شقي وسعيد .