وأرسلان شاه بن طغرل بن محمد بن ملكشاه . فقالوا لمسعود البلالي : " أحضر لنا الملك أرسلان بن طغرل ابن عم السلطان ، ليثق بحضوره جموع الأجناد وحشود التركمان " . فأقطع عليهم بدره ورفع جتره . ثم وصلوا إلى نواحي العراق .
ولما عرف الإمام ذلك ، أمر فأصحرت أسده الخوادر من عريسها . وتبدلت خيش الوشيج من خيسها . وبرز في مظلّته ، كأنه البدر في هالته . ونور النبوة يشرق من جبينه ، والقضيب النبوي يورق بالنصر في يمينه . والبردة الموروثة فوق ردائه ، والقدر بالقدرة على أعدائه ، ملبي ندائه . فسار في موكبه الشريف ، وعلى مقدمته وزيره عون الدين بن هبيرة ، في أسود استلأمت من الدروع بأهب أساود ، وفي سحائب قساطل ، من المناصل والصواهل ، بوارق ورواعد . وفي الميمنة والميسرة أمراء ومقدمون من عظماء العسكر ، كناصر الدين منكوبرس ، وأمير واسط مظفر الدين قتلغ برس ، وكلاهما من المسترشدية ، وحاميا لحوزة المقتفية . وفخر الدين قويدان ، ومنكلبه العباسي ، وبهاء الدين صندل . والأمراء المصطفون المصطنعون ، والحماة والكماة المدرعون المقنعون . وخيم الخليفة على مرحلتين من بغداد في موضع يعرف ببجمزا ، وأقام دون شهر ينتظر منهم البداية ، ويستبعد من غوايتهم الهداية .
ولما تزاحم المجّران ، وتراجم الجمران . تجرّأ العدي ببغيهم وغيهم على الاقتحام ، وحسروا عن أقدام الإقدام ، وقالوا لو أن للقوم بنا طاقة ، ما تحملوا من توسيع مدة الإقامة إضاقة . فقد عزت الأقوات وعدم العلف ، ووجد التلف . وجهلوا أن الإمام متبع حكم الشرع ، في قتال أهل البغي عند صيالهم بالدفع . فركبوا وما رقبوا ، وبرزوا وجلبوا . فركب أمير المؤمنين في مهاجريه وأنصاره ، ووقف في القلب منهم بين أسماعه وأبصاره . وقدم وزيره ابن هبيرة أمامه ، وسير معه أعلامه ، وأمر الأمراء أن يكونوا معه قدامه . فأقمرت ليالي الرايات السود ، بوجوه رافعيها البيض ، وأشرقت أيا من الأيام الإمامية بنوره المستفيض ، وشرع برق الحديد اللامع على حواشي بوارق البوار في الوميض . وأولئك قد ساقوا دوابّ التركمان ومواشيها وأغنامها ، وقدموها بين يدي صفوفها قدامها . وكانت آلافا كثيرة الأعداد ، كثيفة السواد . ومن ورائها الوقاة الكماة ، ذوو الحمية الحماة . وقد أخذت هذه المواشي طول الأرض وعرضها ، ومنعت بتراصها تقويض صفوفها ونقضها .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 339
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٣٣٩