وقالوا له لا تقبل غير هذا الرأي لتحظى بالقبول . وعادوا وقالوا لابن بلنكري " إنا قد حلفناه واستوثقنا منه بالأيمان ، وأكدنا إقسام القسم ، بحيث يكون حنثه ارتدادا عن الإيمان " . فوثق بأمانتهم ، وأمن للوثوق بهم ، وأرسل واسترسل ، وعجل واستعجل . وأما ملكشاه ، فإنه تخلص من اعتقاله ، وخرج نجمه من بيت وباله . وكأنهم توانوا في حفظه ، ووكلوه إلى حظه . وكما أغفلوا الإحسان إليه ، أحسنوا بالغفلة عنه ، ولم يكن لهم عنده ثأر فيحملهم على الانتقام منه ، وصرحوا بهربه ، ولم يعرضوا بطلبه . ولم يلبث في سلطنته إلا شهرين أو ثلاثة ، ثم تقلبت به الأحوال إلى أن استقر بخوزستان ملكا ، وفي سلك السلوك نهج السلامة متسلكا .
ذكر جلوس السلطان غياث الدنيا والدين أبي شجاع محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه في أواخر سنة 547
قال : وقدم السلطان محمد همذان في عدة يسيرة ، وعدة غير كثيرة . فتلقاه خاصبك بلقائه مستبشرا ، وبوفائه مستظهرا . وبصفاء وده موقنا ، وبصفات مجده مؤمنا . وإلى دينه راكنا ، وإلى يمينه ساكنا ، وحمل إليه ما تجمل به من آلات الملك وأدواته ، ومخبيات المال ومدخراته ، وخيمه وسرادقاته . والخيل العراب ، والعروض والثياب . فعلقت بالنفوس نفائس أعلاقه ، وسكن المسكين إلى وفاء السلطان ووفاقه . وخرج له من قشره ، وأرج منه بنشره . ولقيه السلطان بوجه له باشر ، ولسان لحمده ناشر . لكن ضميره للشر مضمر ، وفكره للفتك به مفكر . ثم إنه في اليوم الثالث من قدومه ، جلس في أعلى القصر ، واستدعى ابن بلنكري لمسارته في التفويض ومفاوضته في السر . فجاء ومعه الأمير زنكي الجاندار ، والأمير كشطغان المعروف بشمله ، فلما حصلوا على سلم القصر عرف شملة العملة . ورأى أمارات لا توافق المراد ، فعاد وجذب ذيل ابن بلنكري ليعود فما عاد .
ونزل وقد رهب ، فركب وهرب . وأما ابن بلنكري وزنكي ، فإنهما صعدا فأمر فحز رأس ابن بلنكري ورمي بجثته إلى الميدان ، وضربت أيضا رقبة زنكي الجاندار وكان كبير الشان . وارتاعت القلوب وارتابت النفوس ، وذرفت العيون وأطرقت الرؤوس .
ومما يعتبر به المستبصر ، ويستبصر به المعتبر ، أن خاصبك خلف أموالا لا تأكلها النيران ، ولا يحويها الحسبان . ومن جملة ما وجد له ، ألف ثوب ، وسبع مائة ثوب أطلس