ذكر جلوس السلطان ملكشاه بن محمود
قال : لما توفي عمه اجتمع العسكر على نصبه ، وعقد حبي الاعتقاد لحبه « 1 » .
وأجلسوه على السرير ، وأطاعه الأمراء وائتمروا بطاعته ، وتيمنوا بيومه ، وسعدوا بطاعته . وتفرد ابن بلنكري على عادته ، ومساعدة سعادته ، بالأمر والنهي ، والحل والعقد ، والقصر والمد ، والقبول والرد . والميل إلى جمع المال ، وجباة الأعمال . وإلحاق ذوي الإثراء بذوي الإقلال . واشتغل ملكشاه بالانهماك في القصف والانهتاك بالعزف .
وفوض الأمور كلها إلى ابن بلنكري . وكان من فلك ملكها في أوج المشتري « 2 » .
واعتلق بنجحه ، ووثق بنصحه ، وما درى أنه يخسر من ربحه ، ويظلم يومه بطلوع صبحه . فإن ابن بلنكري طرف فبطر ، وخطر بضميره أن يضمر الخطر ، وجمع الأمراء - وكبيرهم الحسن الجاندار - ، وقال لهم : " هذا سلطان لا يفلح ، وللملك لا يصلح .
فإنه غرّ ذو غرور ، وغمر جاهل بالأمور ، قد شغلته الخمر عن الأمر . وأغناه الحشف عن التمر . وأنا أرى من الصواب أن نخليه ، ونستدعي أخاه محمدا ونوليه " . فعلم الأمراء أن خاصبك كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجالب النكر إلى عرفه . وكانوا قد كرهوا استيلاءه ، وسئموا استعلاءه ، فوافقوه على الرأي الرائب ، وعدوّه من المواهب .
وقالوا : لعل الملك إذا تولاه حازم جازم ، وعاقل بمصالحه عالم ، انتحى له من هذا العادي ، وشفى بصداه غليل الملك الصادي .
فقالوا لخاصبك " عجل هذا الأمر قبل أن يفطن به ، فنأيس من نجح مطلبه " .
فقبض ابن بلنكري ملكشاه في دار الحسن الجاندار وهو في ضيافته ، فقراه بآفته .
واعتقله بمرج همذان ، وكان قد أنفذ إلى الملك محمد بن محمود جمال الدين إيلفقشت ابن قايماز الحرامي ، ونفذ ابن بلنكري لاستحلافه الأمير مشيد الدين بن شاهملك ومعه وزيره الكمال أبو شجاع الزنجاني المعروف بالتعجيلي ، فخانوه في الرسالة ، وحسنوا للسلطان محمد ضد ما أراده ابن بلنكري من الحالة ، وقرروا معه قتله يوم الوصول ،
هامش
( 1 ) وعقد حبي الاعتقاد لحبه : جملة مضطربة لا معنى لها ، ولعلها كانت " وعقد حبل الاعتقاد لحبه " فصحفت .
( 2 ) أوج المشتري : كناية عن النحس .