ومجليا . وغلب في تحليته ذكر الأبلج ، فنعته الأتراك بالأبلج ، واستقام في نجابته على المنهج . واتفق أنه لما تولى زنكي بن آق سنقر الشام تزوج بامرأة الأمير الأسفسلار ، كندغدي ، وولدها خاصبك بن كندغدي من أمراء الدولة وأبناء المملكة ، وهو يسير معها ، فرتبه العزيز جمال الدين لخاصبك وزيرا ، فسار في الصحبة ، وكان مقبل الوجاهة ، مقبول الفكاهة . شهي الهشاشة ، بهيّ البشاشة . فتوفرت مني زنكي على منادمته ، وقصر صاحه ومساءه على مساهمته . وعول عليه في آخر عمره في إشراف ديوانه ، وزاد المال بتمكنه ومكانه . فلم يظهر من جمال الدين في زمان زنكي جود ، ولا عرف له موجود . فإنه كان يقتنع بأقواته ، وتزجية أوقاته . ويرفع جميع ما يحصل له إلى خزانة زنكي استبقاء لجاهه ، واستعلاء به على أشباهه . فمكنه زنكي من أصحاب ديوانه ، فمنهم استضر بإساءته ، ومنهم من انتفع بإحسانه . ولما قتل زنكي صار للدولة الأتابكية ملاذا ، وللبيت الأقسنقري معاذا . واستوزره الأمير غازي بن زنكي ، وآزره علي كوجك على وزارته ، وحلف له على مظاهرته ومضافرته . فأجرى بحر السماح ، ونادى حيّ على الفلاح ، فصاحت بأفضاله ألفاظ الفصاح . وأتوا إليه من كل فج عميق ، وقصد من كل بلد سحيق . وقصده العظماء ، ومدحه الشعراء . وممن وفد إليه ومدحه أبو الفوارس سعد بن محمد بن الصيفي المعروف بحيص بيص . قال : وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها :
يا للصوارم والرماح الذبل * نصرا ومن إنجدتما لم يخذل
لو شئتما ومشية بمشيّة * جاد الزمان وبالعلي لم يبخل
أنا فارس اليومين يوم مقالة * ووغى ، أصول بصارمي وبمقولي
ومنها يصف بناءه لسور المدينة وعمارة قبر :
وتقر عين محمد بمحمد * محيي دريسي علمه والمنزل
معمار مرقده وحافظ دينه * ومعين أمه بجود مسبل
خرق يناط قميصه ورداءه * بعباب زخّار وهضبة يذبل
قال : وكنت أنا في ذلك العهد ببغداد متفقها ، واتفق حضوري بالموصل في ذي القعدة سنة 542 ه . فحضرت عند جمال الدين بالجامع في جمعتين ، وتكلمت عنده