تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
539 ه . وتشوش البلد وخاف أهله العاقبة ، وحذروا من زنكي سطواته المعاقبة . فخرج القاضي تاج الدين يحيى بن عبد اللّه الشهرزوري ، وجاء إلى الملك وهناه ، وسهل له الصعب مما جناه ، وقال له : " نحن قدامك ، وقد صرنا مماليكك وخدامك ، فسر في المدينة واسلكها ، وادخل القلعة واملكها " . فركن إلى قوله ، وسكن بحوله . وأحدق به الجند كأنهم في خدمته ، وصوبوا له سداد عزمته . حتى صعد إلى القلعة فأجلسوه في المركز ، وأحاطوا به إحاطة الدائرة بالمركز ، والتقطوا مماليكه من حواليه وأفردوه واحتاطوا عليه ، ولم ير له بعد ذلك أثر ، ولم يسمع له خبر . ولا شك أنه بعد ما احتيل عليه اغتيل ، وبعد ما استنزل أزيل . وولي زنكي الموصل بعد جغر زين الدين علي بن بكتكين ، المعروف بعلي كوجك ، فنظم السلك ونهج المسلك ، وتلافى واستدرك . ووصل زنكي بعد ذلك إلى الموصل فاستصفى أموال جغر واستخرج ذخائره ، واستنظف أوله وآخره ، وصادر أهله وأقاربه ، وأحل بنوابه نوائبه وسلبهم القوة والقوت ، ونوع عليهم جوره الممقوت . ثم عطف زنكي على الملك الآخر ألب أرسلان فاستخرجه من معقله ، وعني بتفاصيل أمره وجمله ، وضرب له نوبتيه ونويا ، ورتب له في حالتي جلوسه وركوبه رتبا ، وأغرى بتولي إكرامه وتوخيه ، وغرضه خفاء ما جرى من هلاك أخيه . وقصد حصار قلعة جعبر ، وصاحبها عز الدين علي بن مالك بن سالم بن مالك ونازلها ، وقابلها وقاتلها ، وأحاط بسورها المعصوم إحاطة السوار بالمعصم ، وربض على ربضها في مجثم المخيم . ولج في الحصار وهو مستظهر بالأنصار ، مستنصر بالاستظهار ، ومتكثر بالاستعداد معتد بالاستكثار ، مغرور بالدهر ، مسرور بالقهر ، يظن أن الفضاء بحكمه ، وأن القدر خصم خصمه . وأهل الحصن قد أشفوا منه على الدامغ الدامر ، وقد بلوا من وبل وباله بالهامل الهامر . فأتاهم الفرج من حيث لم يحتسبوا ، ووافاهم الفرح من حيث لم يكتسبوا . وذلك أن زنكيا كان إذا نام ، ينام حول سريره عدة من خدامه ، يشفقون عليه في حالتي يقظته ومنامه . يذودون عنه ذود الآساد في ملاحمه ، ويزورونه زور الخيال في أحلامه . وهم من الصباح الروق في حسن الصباح لدى الشروق . وهو يحبهم ويحبوهم ، ولكنه مع الوفاء منهم يجفوهم وهم أبناء الفحول القروم ، من الترك والأرمن والروم . وكان من دأبه أنه إذا نقم على كبير أرداه وأقصاه ، واستبقى ولده عنده