قال : وفي هذه السنة قدم الأمير العالم قطب الدين أبو منصور المظفر بن أردشير العبادي الواعظ ، فأعجز بالفصاحة وأعجب ، وشرّق بأنوار البلاغة وغرّب وأنا أذكر ، وقد حضرت مجلسه ، وقد وضع له منبر على شاطئ دجلة ، والسلطان مطل عليه من أعلى مكان ، والأمير عباس صاحب الري جالس في شفّارته « 1 » بدجلة بحيث يسمعه ، والعبادي يفتن الناس بما يبديه من سحره ويبدعه . وحضرت مدة مقامي ببغداد جميع مجالسه أكتبها من لفظه ، وأقبل عليه الإمام المقتفي وقبّله ، ورفعه وبجّله . وأمره بالجلوس في جامع القصر في موضع يقرب من منظرته ، ليجلس حيث لا يراه وهو بحضرته .
وانبثّت بدائهه وبدائعه ، وأشرقت بنجح مطالبه مطالعه .
ذكر ما جرى من الحوادث التي انحلت بها تلك العقود واختلت تلك العهود
قال - رحمه اللّه - : وصل الخبر بقتل الأمير عبد الرحمن بن طغايرك بأرانية ، وكان من قدر اللّه سبحانه أنه استصحب معه خاصبك بلنكري ليبعده عن الخدمة السلطانية ، غير مكترث به . وكان مع خاصبك أمر من السلطان سرا في الفتك به أن خلت عرصة ، أو أمكنت فرصة . فركب ابن طغايرك يوما لتجهيز العساكر إلى غزاة الكرج ، ووقف منفردا في ذلك المرج . وهو يسير أميرا أميرا . ولا يمكن من المقام كبيرا ولا صغيرا . وابن بلنكري واقف لا يريم ، وهو لبرق ما يشيمه من عارض الغمد يشيم .
ومعه الأمير زنكي الجاندار ، فتقدم وأقدم ، وضرب رأس ابن طغايرك بسوط حديد شدخه وفشخه ، واستصرخ بأعوانه فعدم مصرخه . وضرب بعد ذلك بالسيوف ، وتفرقت عنه جموع تلك الصفوف . وتغلب ابن بلنكري على أرّانية ، فأحسن إلى الذين ساعدوه ، وعقد حبي الحبّ لهم حين عاقدوه . وامتد إلى أردبيل محاصرا ، وبها الأمير آق أرسلان ، وأخرجه منها بالأمان ، ثم اشتغل بحصار مراغة لينال منها ما أراغ ، وحصرها طويلا ولم يجد فيها المساغ .
ولما نمى إلى السلطان ببغداد خبر قتل ابن طغايرك ، أحضر الأمير عباسا في داره ،
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ولم نقف لها على معنى يناسب وضعها من الجملة .