فأغذ السير واستعجل الخبر ، وسبق إلى الموصل قبل وصول الجماعة . ولما عرف جمال الدين بوصوله سبق أيضا إلى الموصل وبقي الملك منفردا فاستوحش ، وتشور في رأيه وتشوش . وركب صوب الجزيرة مفارقا ، وإلى حلبة النجاة مسابقا ، فسيّروا وراءه من وثق بتوفير أمانته أمانه ، وخيّلوا له أن قد عاد القوم غلمانه ، وأن غازيا إذا كنت معه أخذ البلاد باسمك ، وجعل الممالك برسمك . وما زالوا يحدثونه بالخسر والختل « 1 » ، إلى قلت « 2 » القتل . فإنه عاد معهم ودخل الموصل في استقبال ونثار ، وإعظام وإكبار ، حتى دخل الدار ، وخال الاستقرار . فما أجلسوه ، حتى اختلسوه ، وما رسموه ، حتى رمسوه .
وكتموا أمره ، وختموا عمره . وجرى بين جمال الدين الوزير وبين زين الدين علي كوجك وسيف الدين غازي التعاقد على التعاضد ، والتعاهد على التساعد . وتولى جمال الدين وزارة الموصل واستولى ، وكان باسترعاء ما أولاه اللّه من نعمه أولى . وأنه عاش بنداه الجواد ، وعشا إلى ناديه الوفود . وعادت به الموصل قبلة الإقبال ، وكعبة الآمال . فأنارت مطالع سعوده ، وسارت في الآفاق صنائع جوده . وعمّر الحرمين الشريفين ، وشمل بالبر أهلها ، وجمع بالأمن شملها .
ذكر حال جمال الدين الجواد أبي جعفر محمد بن علي بن أبي منصور
قال - رحمه اللّه - : كان والده من أصفهان الكامل عليّ ، وهو حاجب الوزير شمس الملك بن نظام الملك ، وكان أبوه أبو منصور فهّادا في عهد السلطان ملكشاه ابن ألب أرسلان وابنه الكامل نجيب ، أديب لبيب . وزادت أيامه في السمو ، وأيامنه في النمو . حتى تنافس في استخدامه الملوك والوزراء ، واستضاءت برأيه في الحوادث الآراء .
وكان قد زوّج بنتا له ببعض أولاد أخوال العم العزيز ، فاشتمل لذلك العزيز ، - رحمه اللّه - على ولده جمال الدين أبي جعفر محمد ، وخرّجه في الأدب ، ودرّجه في الرتب .
فأول ما رتبه في ديوان العرض السلطاني المحمودي محليا ، فبرز في تلك الحلبة سابقا
هامش
( 1 ) الختر والختل : الغدر والمخادعة .
( 2 ) قلت : الهلاك .