تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤

ذكر وزارة تاج الدين بن دارست الفارسي

قال : كان ابن دارست ، وزير بوازبه صاحب فارس ، فرتبه في وزارة السلطان ليصدر الأمور على مراده ، ويورد على وفق إيراده . وكان هذا الوزير رفيع البدر ، محبا للخير ، مبغضا للشر ، فما فعل أمرا ينقم عليه ، ولا أحال حالا تتوجه لأجلها اللائمة عليه . ونائبه أمين الدين أبو الحسن الكازروني ذو الدين المتين ، والحلم الرزين ، والاستهتار بأعمال الشر ، والاشتهار بأفعال الخير . وتولى ديوان العرض والد الوزير عضد الدين ، وهو جميل مجمّل لمذهبه ، مهذب لمنصبه . وأقروا ولاية أذربيجان وأرانية جميعها على ابن طغايرك عبد الرحمن ، وقرروا إبعاد خاصبك بن بلنكري عن السطان . فسار في خدمة ابن طغايرك أميرا ، وصحبه في مضمار الخلصاء ولم يخلص في صحبته ضميرا . وتقرر أن يكون أحد الثلاثة بالنوبة ملازما لخدمة السلطان حتى يسلم لهم جانبه ، وتؤمن نوائبه . وانفصل الأمير بوزابه إلى بلاد فارس ، ورحل السلطان إلى بغداد ومعه الأمير عباس صاحب الري ، في شوكة مانعة ، وهيئة رائعة . قال : ولما قدموا بغداد في خريف هذه السنة ، خرجت مع الفقهاء لتلقيهم والناس مشتتلون على تخوفهم منهم وتوقيهم . فلما حلوا ببغداد نزلوا دورها ، وسكنوا للتخريب معمورها . وألهبوا الكروب ، وأرهبوا القلوب . وكانت هذه عادتهم إذا وصلوا ، وعادتهم إذا نزلوا . فتكمن الأتراك ، لا يتركون ممكنا من الجهل ، وعندهم أن الظلم من العدل . ولكن الوزير نزل في دار الوزارة بالأجمة ، متوخيا بثّ المكرمة . وأمر بتجديد عمارة المدرسة التاجية التي بناها خاله الوزير تاج الملك أبو الغنائم بن دارست ببغداد ، وأوطنها شيخنا شرف الدين يوسف الدمشقي فأحيا دريسها بدروسه ، وأشرق أفقها بنجوم العلم وشموسه . ورتب الوزير في داره مجالس للختمات ، وحضور أئمة الفرق وفقهائها للمناظرات . ولم يعارض السلطان في شيء من أوامره وأموره ، وابتسمت الدولة بأسفاره وسفوره . لكنه مع تقاصر مدته ما أمرّ ولا أحلى ، ولا شغل ولا أخلى ، ولا عزل ولا ولى . كل ذلك طلبا للسلامة ، واستقاء لماء الاستقامة . وعلما بوخم العاقبة ، وألم المعاقبة . فلا جرم توفرت الدواعي على حبه ، وفرت العوادي من حربه وحزبه .