تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
مبديان للطاعة مخفيان للعصيان . فأقاما بها شاتيين ، واتصل بها الأمير ناصر الدين خطلبة البازداري ، وكان ليثا خادرا ، وقسورا قاسرا . وكتبوا إلى الأمير جاولي الجاندار بأذربيجان وقالوا له : " أنت الكبير ، لك التدبير . ونحن أتباعك وأشياعك ، فإن قدمت إلينا ، قدّمت علينا . وكنت صاحب جيوش من ينتصب على سرير الملك ، وانخرطنا معك طائعين في السلك " . فرد جوابهم بجميل ، وأعاد رسولهم بتأميل . واشتغل بحشد الجموع وجمع الحشود ، وحشر الجنود ونشر البنود . واتصل به أتابك آياز ، وكان أتابك داود في حياته وهو مشكور الغناء في مقاماته ، وعضده الأمير شيرين آق سنقر فأظهر حينئذ النهدة إلى همذان ، والنهضة إلى الناهضين المتسلطين على السلطان ، فوجد الطريق مسدودة بالثلوج ، فأقام بعسكره مجمعا ، وللنهوض عند انحساء الثلوج مزمعا . وتطايرت كتبه إلى بغداد لاستدعاء السلطان إليه ، واستقدامه عليه . والسلطان في بغداد ساه بسهوه ، لاه بلهوه ، زاه بزهوه . فلما تنبه من وسنه ، ندم على خلع رسنه ، ورجع من الحزم إلى سننه . ولبى نداء جاولي وأجاب دعوته ، وعزم على الرحيل إليه وسار على الدربند القرابلي إلى المراغة في أوعر طريق ، وأعسر مضيق . حتى اتصل بالأمير جاولي ، فكثّف من العدد الجمع ، وكثر من العدد اللمع . وأعجب السلطان الحال وحل به العجب ، وانقلب إلى القوة وقوى منه القلب . فحسدت الجماعة جاولي وغبطوه ، وتحيلوا في أن يقبضوا عليه ويربطوه . فإن ابن طغايرك مع مصاهرته له كان بإمكانه متبرما ، وكذلك خاصبك كان من استيلائه متوهما . فأجمع الأمراء واحتالوا لاغتياله في سرادق السلطان فاطلع على السر ، ووقع على مكر المكر . فاحترز منهم ، وتقبض عنهم ، وأراد أن يبطش بهم كما أرادوا البطش به ، ثم جرى في الحلم والكرم على حسب مذهبه وقال للسلطان : " أنا على مناصحتك ، وفي مني صحتك ، ولا يجمعني وإياك بعد هذا ناد ، ولا يسمع تلبيتي فيه مناد " . فما اجتمع السلطان وجاولي بعد ذلك إلا راكبين ، منفردين عن العسكر متجانبين . وقال للسلطان : " إن أردت تداني أمني ، فتباعد عني ، ودعني انهض بعساكري إلى أعدائك ، وأذكرهم بحقوق نعمائك فإن أتوا قبلتهم ، وإن أبوا قتلتهم ، وإن اتبعوا سررتهم . وإن ساروا تبعتهم " .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 314 | عماد الدين الكاتب الأصبهاني