الوزارة نجيب الدين عبد الجليل السهم المصيب ، والشهم المهيب . والسيف الذي يفري ويقصل ، ويبري ويفصل ، يبت الأصول ويستأصل البيوت ، ويستنزل من الجو العقاب ، ويستخرج من قعر البحر الحوت . وقد ضربوا على بغداد الضرائب ومكسوا المكاسب .
قال : وكان رضي الدين أبو سعد مستوفي السلطان ، البعيد من الشين البديع الشان . ممن يغشاه والدي بسبب خدمته لأخيه العزيز في أيامه . وكان ربيب إنعامه ، وكان من أوسع صدور ذلك العصر صدرا ، وأقلهم شرا . وكان نائبه كمال الدين أبو الريان الأصفهاني من تلاميذ عمي العزيز وغلمانه ، ولم يكن أعرف منه بقانون الاستيفاء في زمانه . لكنه كان خاليا من الأدب عاليا مع نقصه في أكمل الرتب . وهو صورة بلا معنى ، وحسن بلا حسنى . وبرق بلا وابل ، وطول بلا طائل . وكان عز الملك الوزير مع جهله وشدة بخله ، ربما نسمت له ريح أريحية ، وسمنت بغثه روح تحية . ومن جملة ذلك أنه كان بالعراق عميد رازي تولى سنة ، واكتفى ثروة . واستقنى واستغنى ، وحبا وجنى وخبى . فلما جاء السلطان قيل له : " اعمل حسابك " فأحضر المشرف وكان يعرف بابن الحكيم من أهل بغداد ، وقال : " أريد أن تدع المكر منك . وتدعو مكرمتك ، وتهتم بأمري وتستأمر همتك ، وتحسّن الحسبة ، وتحتسب الحسنة . وتكف بكفايتك عني الأيدي والألسنة " فقال المشرف : " أنا لا أجسر أن أستر . ولكل ما أذكر لابد أن أذكر . وعلي أن أخفي كثيرا مما خفي من الجنايات والجبايات ، والاجتذابات والجعالات . ولابد أن أجمع ما أخذته من المرافق الوافرة ، والفوائد الظاهرة " . واتفقا على إسقاط مبالغ حتى تقرر ذكر خمسين ألف دينار . فبذل له ألفي دينار ، على أنه يذكرها في الحشو ولا يبرز بها ، لعل الوزير يغفل عنها ، ولا يؤاخذه بسببها . فأبى إلا إيرادها ، وتخصيصها بالذكر وإفرادها .
قال عماد الدين : حدثني المشرف بن حكيم قال : دخلنا بالحساب إلى الوزير عز الملك ، فأول ما وقعت عينه في الجموع ، على المبلغ المرفوع . فقال : ما هذا ؟ فقيل :
الرسوم التي أخذها ، والمرافق التي اجتذبها . فضرب عليه بقلمه وقال : " كيف تجيزون أن تجمعوا عليه ما ارتفق به من رسومه وخدمه . هذا له معلوم ، وحصلت له رسوم .
فليس من المروة أن نستعيدها وما فوض إليه الشغل إلا ليستفيدها " . قال : فخرجنا
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 312
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٣١٢