واتصل الأمير عباس صاحب الريّ ، ونشر من المودة بينهما ما كان في الطي . وتوافقا وتواثقا ، ونظمتهما طاعة السلطان في سلك المصافاة .
وكان الأمير عباس من مماليك جوهر خادم السلطان سنجر ، والريّ في أقطاعه ، وقد نفذه إليها واليا ، وكان أمره بها عاليا . فلما قتل صاحبه بفتك الباطنية به ، ثار عباس للثأر ، وجد في طلبه ، واستولى على الري وأعمالها ، وتفرد بحيازة أموالها . وقوي على السلطانين سنجر ومسعود ، واستظهر بمن معه من جموع وجنود . وبمن اتصل به من مماليك الأمير الأجل صاحبه ، وكانوا زهاء أربعة آلاف في عدد كثير وجمع كبير .
وقصر عزمه على قصد الباطنية وكبسهم في مواطنهم ، وبيتهم في أماكنهم ، وقتل منهم مدة ولايته أكثر من مائة ألف ، حتى بنى من رؤوسهم بالري منارا أذّن عليه المؤذنون ، وأخاف القوم ، فما كانوا في عصرهم يأمنون المنون ، وكان ذا همة كافلة للرعية بالمعونة ، فرضى السلطان بإيالته ، وأقره على ولايته .
ولما اتصل جاولي الجاندر بخدمة السلطان وجده حاضرا ، وألفي روض الرضى به ناضرا . وكان الأمير الحاجب الكبير فخر الدين عبد الرحمن بن طغايرك ، الحاكم على الدولة ، المهيب الصولة . وكان وسيما جسيما ، للسلاطين قسيما . لا يرى إلا برأيه . ولا إجابة إلا لدعائه . وكان الأمير بك أرسلان خاصبك بن بلنكري أخص الناس بالسلطان وأعلقهم بقلبه ، قد اختاره منذ شعف به على صحبه . ولما كبر ، كان أكبر الأمراء ، وأعظم الكبراء . واجتمع هؤلاء الأكابر تلك السنة بالحضرة ، والدنيا بالنعيم لهم بادية النضرة . وحمل فخر الدين عبد الرحمن بن طغايرك الأمير عباسا على مباينة عز الملك الوزير ، ومعارضته في التدبير . وأطمعه في تولية نائبه الجمال الجاجرمي في الوزارة ، وكان شابا مقبول الحركة ، مأمول البركة . يرجع إلى توسع في المروة ، وترفع في الفتوة . فاستحكم طمعه في المنصب ، وقوي قلبه بمساعدة الأميرين عباس وابن طغايرك ، فتحمل وتجمل ، وجدّ وجاد ، واستجد استجاد ، وقرب أن يتم مراده وكاد .
فتعصب الأمير جاولي للوزير عز الملك ، وأعاد نظم جاهه إلى السلك . وساعده خاصبك على مساعدته ، فاستقام أمر الوزير ، وأجمع الجميع على إبقائه ، واتفقت الكلمة على أنه لا مضاهي له في مضائه .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 309
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٣٠٩