دام علاء العماد فهو رجاء العباد * دام لنا طالعا فهو ضياء البلاد
له يد لم تزل تصدر عنها أياد * عيون حسّاده مكحولة بالسهاد
كأن أجفانها أهدابها من قتاد
ولما رأى السلطان مسعود في عنفوان دولته ، وريعان سلطنته ، الخلل حالا ، والحال مختلة ، والعلل بادية ، والمبادي معتدلة استعجز أنوشروان للين أخلاقه ، وقرب قمر عمره من محاقه . فرأى صرفه باحترام ، وعزله بإكرام ، وظن أنه إذا ولى دركزينيا أحيا رسوم الاقتدار ، وسطا سطوة الجبار . فولى العماد فما رفع عمادا ، ولا عرف سدادا . ولا مشى إلا في طريق السلامة ، وقنع بالدست والعلامة . وكان في منصب الاستيفاء حينئذ كمال الدين ثابت القمي ، الثابت الكامل الباسل ، وكان في زمان عمي من نواب ديوانه ، وصنائع إحسانه . وكان شهما ناقدا ، وسهما نافذا . فأنس السلطان بروائه ، وركن إلى رأيه ، واستغنى به عن وزرائه . وهو الذي يقول فيه القاضي أبو بكر الأرجاني قصيدة منها :
سل النجم عنّي في رفيع سمائه * أشاهد مثلي من جليس مبايت
أساهره حتى تكل لحاظه * وينسل في الصبح انسلال المفالت
سقى عهدهم غيث تقول إذا بدا * تجلل وجه الأرض ورق الفواخت
معلمة الأمطار عيني على الثرى * إذا ما سما إن لم يكن كف ثابت
له قلم إن هزه في كتابه * أبر على سيف الكميّ المصالت
قال : وهذا ثابت ، كان من دهاة الرجال ، وكفاة الأعمال . وبمشورته شيدت القواعد ، وشدت المعاقد ، وولىّ المقتفي وخلع الراشد . وأما السلطان مسعود فإنه بعد خروج الراشد من مقام الخلافة ، استشار الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي ، وكان قد اعتقله بعد ما جرى على المسترشد ثم أطلقه واستصحبه ، وخاطبه فيمن يخطب له ، فأشار بخير الخلائف والخلائق ، أبي عبد اللّه محمد بن المستظهر . فبويع له بالخلافة في ذي القعدة سنة 530 ه ، ونعت بالمقتفي لأمر اللّه ، ووزر له شرف الدين الزينبي ، وأجمع الأنام على بيعته ، واجتمعت الآمال الظامئة على شرعته . وذكر السلطان راجعا إلى الجبل ، واثقا بحصول الأمل . وانتهى إليه أن أتابك منكوبرس