وأشفقت . فلم يكترث السلطان بما كرث « 1 » ، ولم يحدث غما لما حدث وطما عباب طماعيته ، ولفح شرر شرّته . وخشيه الأكابر والأماثل ، وغشيه الأصاغر والأراذل .
فرفع قوانين السلطنة وأبطلها ، ومحاسنا محاسنها وعطّلها .
فأول ما بدأ به بعد حادثة الخليفة ، أنه نهض إلى بلاد سكمان ، فجلب على سكانها البلاء ، وأضرى بها الضرّاء . وخافه ابن سكمان فجفل ، ثم بذل له وجه الخيفة .
فنذر وحذر ، وقام وقعد ، وأحس بقرب من قتل أباه ، فأباه وبعد . وكان الأمير زنكي ابن آق سنقر صاحب الشام ببغداد ، فحمله على السير منها والإغذاذ . وكان داود ابن السلطان محمود قد وصل إلى بغداد وزنكي مؤازره ، ومظاهره وناصره . فلما حضرها مسعود وحصرها ، ونازل بعسكره عسكرها ، رحل داود عائدا إلى أذربيجان ، وأحفل زنكي راجعا إلى الشام . وقد خاف السلطان ، وأشار على الخليفة باتباع أثره فما أصغى إليه ، ولا سهّل خروجه من بيته عليه ثم استوحش من مقامه بعد أن أقام مدة على استيحاش ، فرحل رحلة آيس ، ونفر نفرة خاش « 2 » . ومضى إقبال خادم أبيه معه ، وصحبه وزيره جلال الدين أبو الرضاء بن صدقة ، وخيم بظاهر الموصل متمسكا بحبل قاطعه ، ومغترا بسلم منازعه . فإن زنكيا لما أصلح أمره مع مسعود سيّبه وخيّبه . وأخذ إقبالا خادمه وحبسه ثم قتله . وأزعج الخليفة ، فانتقل انتقال المرتاب ، وتحوّل تحول المرتاع . وبقي كذلك سنتين لا يستقر به مكان ، ولا يمكن له قرار . حتى اجتمع بالسلطان داود في أذربيجان ، وجاء معه إلى محاصرة أصفهان . وختم له بالشهادة عليها سنة 532 ه في ظهر يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رمضان ، وكان ذلك في القيظ وقت الهاجرة المتأججة ، والقائلة المتوهجة . فهجم عليه قوم من فدائية الباطنية ، فأضجعوه على فراش المنية .
قال عماد الدين : وأنا أذكر في صغري هذا الحادث الكبير وحديثه ، وتأثيره في القلوب وتأريثه . وكان ذلك بعقب سنوات إسنات « 3 » ، وشتوات شتات ومجاعات
هامش
( 1 ) كرث الغمّ فلانا : اشتد عليه .
( 2 ) خاش : من خشي أي خاف .
( 3 ) إسنات : جدب وقحط .