للجماعات مفرقة ، ونوائب نوابي للنوائب محرّقة . وهلك الناس جوعا ، وخرج من أهل أصفهان من لم ينو إليها رجوعا . وما كفاهم ذلك ، حتى نزل عليهم داود ، فخربت القرى ، وألحقت بالوهاد ، وأغلقت أبواب البلد ، ووهت أسباب الجلد . وأعيان أهل أصفهان لما أحسوا بالحصار ، رغبوا في الإصحار ، وانتقلوا إلى ظاهرها ، وسكنوا حتى في مقابرها ، وهناك بقرب زندروذ ، عند المصلى ، قصور عالية مبنية على قبور أكابرها .
وكنا نحن من جملة المنتقلين إلى بعض قصورنا . وقد عنينا بأمورنا . فجاء العسكر المحاصر ، في عدد كلّ عن عدّه الحاصر . وكان عمي بهاء الدين مع داود في ديوان الاستيفاء ، وإليه وزارة خوارزمشاه . ولم يكن مع الراشد وزيره أبو الرضا بن صدقة .
فإن زنكيا احتبسه عنده ، ثم استوزره ، فنفذ إلى والدي صفي الدين وألزمه بوزارته ، فأبى . ثم اتفقت حادثة الراشد ، فحمدنا اللّه على ترك خدمته ، والعصمة من واقعته . فإن والدي - رحمه اللّه - ، حلف أن لا يخدم بعد العزيز سلطانا ، ولا يتولى ديوانا . فوفى بيمينه مدة عمره ، وعاش بعد أخيه نيفا وثلاثين سنة مقبلا على أمره . ودفن الراشد في مدينة جيّ ، وأفردت له تربة في جامعها ، وصار إلى اليوم موضع قبره من أشرف مواضعها .
وحينئذ تفرق شمل تلك العساكر ، ورحل داود آخذا طريق الري ، وسار معه والدي واستصحبني وأخي أبا بكر ، وخلانا في المدرسة المحدثة بقاشان وأقمنا بها سنة نتردد إلى المكتب ، ونشتغل بالقرآن والكتب الأدبية . ثم عدنا إلى أصفهان ، وكلانا لم يبلغ قمره إلى الإبدار ، والوالد سار في ليل الأسفار .
قال : وأما أنوشروان الوزير ، فإنه ما لبث في الوزارة ، وكان معهد الملك به غير مستتب العمارة ، لا لنقص فيه ، بل لتغير القواعد ، وتكدر الموارد . فعزل واعتزل ، وما انتقل عن داره حتى تحول إلى جوار ربه وانتقل . وجلس للوزارة عماد الدين أبو البركات الدركزيني . قال عماد الدين - رحمه اللّه - : وكان نسيبا للقوام الدركزيني من جهة أخواله ، وقد حسنت في أيام دولته حوالي أحواله . ورتبه أيام الوزارة المحمودية عارضا للجيش ، وبقي مستمرا في منصبه ، مستقيما على مذهبه . وهو الذي يقول فيه القاضي الأرّجاني :
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 302
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٣٠٢