تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
بحرم الأمن ورحل المخافة ، واستصحب معه من الأتراك جمعا كثيرا ، وصار بين الخليفة والسلطان للشر مثيرا . وأشاع عن السلطان نقض الأيمان ، ورفض الإيمان . وزعم أنه قد عزم على صدق القصد ، وأنه باغ ، باغ « 1 » زرع الدولة المسترشدية بالحصد . وكان الخليفة قد انقرض من السلطان في تغييرات غيرت فيه آراءه ، وبدت من شحنة ببغداد ما أبدت شحناءه . فلما سمع قول يرنقش ، صار يرى نقشه في الحجر ، ونبت ما شجر من الخلاف والعناد عند الخليفة نبت الشجر . وكان السلطان قد هم باتباع يرنقش بعسكر يكفه ويكفيه ، ويقف على أثره ويقتفيه . فصدق الخليفة قصده ، وتحقق حق عناده عنده . فحينئذ خطب وخاطب ، وطلب وطالب . وخرج بنفسه في هيأة رائعة ، وهيبة رائقة . وخرج معه من كل طائفة أعيانها ، وتعاونت على التناصر أنصار الدولة وأعوانها . وسار وقد صحبه حتى الشعراء والأطباء ، والصوفية والفقهاء . وفي تلك السفرة يقول أبو القاسم بن الفضل الشاعر قصيدته التي أولها :
في العسكر المنصور نحن عصابة * مرذولة أحسن بنا من معشر خذ عقلنا من عقدنا فيما ترى * من خفة ورقاعة وتهور
ويقول فيها :
تكريت تعجزنا ونحن بعقلنا * نسعى لنأخذ ترمذا من سنجر
قال : ولم يقدر على التخلف عن الخليفة ذو قدر ، ولم يفسح لذي عذر . وسار في حشد وحشر ، وضم ونشر . ونمي إلى السلطان خروج الخليفة فشق عليه شقاقه ، وأظلمت آفاقه . فخرج صوبه من همذان ، والتقوا بمرج يقال له داي مرك . ولما تراءى الجمعان ، مال الجنس إلى الجنس ، فمال الترك إلى الترك ، وأسلموا حرمة الإسلام المصونة إلى الهتك . وتفرد الخليفة مع مفرديه ، وبعد من جدي منجديه . ثم أقشع نشاصه « 2 » ، وانفلّ عنه خواصه . ووقف ولم يولّ ، وثبت ولم يخل . هابت الجماعة الأقدام عليه ، والتندم إليه . فنزل أمير العلم السلطاني وتقدم ، ولم يزل يقبل الأرض حتى وصل إليه ، فأخذ بعنانه ، ثم أحدق به الأمراء كما يحدق كل موكب بسلطانه .
هامش
( 1 ) باغ : ساوى . ( 2 ) النشاص : السحاب .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 299 | عماد الدين الكاتب الأصبهاني