واتخذها أسبابا لاستباحة دماء وفروج . فأول مثال زوره ، إنه وقع تحت علامة منها بقتل العزيز إلى صاحب تكريت بهروز الخصي . واتفق أنه كان في العسكر معهم فأرهبه وأرعبه ، وأمره بالامتثال ، والجري على مقتضى المثال . ففزع الخصي وتمكن منه الخوف ، وكتب إلى والي تكريت نجم الدين أيوب ، وخاطبه في الخطب المخطوب . وقال له : « هذا توقيع السلطان مع صاحب وزيره ، يأمر بقتل العزيز وتسليمه إليه وتسييره . فإن أبيت فقد رضيت بسخطي ، وخالفت شرطي ، وأردت الخطأ في رد خطي » .
وكان نجم الدين رجلا مسلما . فما رأى أن يكون لرجل مسلم مسلما . وعرف أخوه أسد الدين شيركوه الحال ، وحجز بينه وبين الوقوف على التوقيع الواصل وحال .
فشاركه أخوه شيركوه في رد الوارد ، وصرفوه بالخلع والفوائد . وكان شيركوه ملازما للعزيز ومتبركا به ، ومتمسكا بسننه . وقال عماد الدين : سمعته يوما يقول : « صليت ليلة مع العزيز فسمعت هاتفا يقول : جعلك اللّه عزيزا كما حميت العزيز » . فما أطمعني في مصر بعد نيف وثلاثين سنة إلا هذه الدعوة . وأيقنت أنني أنال هذه الخطوة . قال : فكان : ما قال ، فإنه ملك مصر وصار عزيزها ، ومن حاز الجنة بما فعله فلا عجب لمملكة مصر أن يحوزها .
قال : فلما عرف الدركزيني تمنع ما توقعه ، ضاق عليه الفضا وما وسعه . فثقل على بهروز وفزعه . وقال له : « سر بنفسك ، ولا تتنفس بسرك حتى تأتي تكريت ، وبيت من بها قبل أن تبيت » ، ووكل بالخصي أياما ، ومزج له الشهد سماما . ثم أطلقه على الشرط فلم يشعر نجم الدين أيوب وأخوه أسد الدين شيركوه حتى هجم الخصي عليها القلعة ، وقال لهما : « قد دافعتما عن هذا الرجل دفعات ، فكيف هذه الدفعة » . فدفعاه فلم يندفع ، وردعاه فلم يرتدع ، فتركاه ما شانه ، فما ترك ما شانه . وكان بهروز قد استصحب معه من أعوان الدركزيني ملحدا ، مثله مفسدا . فلما عرف العزيز - رحمه اللّه - أنه قد أسلم ، وأحس بالأمر وما أعلم قام يصلي ركعتين فصلى الأولى بسورة الكهف ، وشرع في الأخرى بياسين . وطالت صلاته على الملحد اللعين فضربه وهو في السجود فجاد بروحه في مناجاة المعبود . وشهد السعادة ، وسعد بالشهادة ، وكان مذ حبس متوفرا على العبادة ؛ يصوم ويقوم ، وذلك في سنة 527 ه وعمره 55 سنة . وجرى هذا الأمر ولم يكن عند السلطان طغرل خبر . وفي ذلك عبرة لمن اعتبر . فإنه بعد قتله الدركزيني طلب العزيز
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 293
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٩٣