توفى أبو القاسم الشريف الدبوسي مدرس النظامية . وفي محرم سنة 483 ه قدم الشيخ أبو عبد اللّه الطبري بمنشور نظام الملك متوليا للتدريس بالنظامية . ثم وصل بعده القاضي أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي للتدريس بالنظامية أيضا ، وتقرر أن يدرس هو يوما والطبري يوما . وفي سنة 484 ه ، قدم الشيخ أبو حامد الغزالي إلى بغداد للتدريس في المدرسة النظامية ، وكان في العلم بحرا زاخرا ، وبدرا زاهرا . وأشرقت غرائبه في المشرقين والمغربين ، وملأت حقائب الملوين ، وثقلت غوارب الثقلين .
ذكر دخول السلطان ملكشاه إلى بغداد
فأما في النوبة الأولى ، فإنه دخل بغداد في رابع ذي الحجة سنة 479 ه ، والوزير أبو شجاع خرج لاستقباله ، وتوفية حق إعظامه وإجلاله . وركب في اليوم الثالث إلى الحلبة ، ولعب بالأكرة ، وأنفذ إليه الخليفة أفراسا وألطافا ، وتصافيا وتهاديا ، ومضى نظام الملك إلى المدرسة وإلى دار الكتب بها ، وقلبها وتصفحها ، ورم أحوالها وأصلحها . وعاد إلى دار ولده مؤيد الملك ، فأقام بها ليلتين . وفي سابع عشر المحرم سنة 480 ه استدعى الخليفة السلطان إلى حضرته على لسان ظفر الخادم فبشر وجهه وسفر ونزل في الطيارة فلما وصل إلى باب الغربة قدم إليه فرس من مراكب الخليفة ، حتى انتهى إلى السدة الشريفة . وأمره الخليفة بالجلوس فامتنع ، وتواضع حتى ارتفع . ثم أقسم عليه حتى جلس ، وزاد في إيناسه فأنس .
ولم يزل نظام الملك يأتي بأمير أمير إلى تجاه السدة ، ويقول للأمير هذا أمير المؤمنين ، ليعفر بتقبيل الأرض الجبين . ويقول للخليفة هذا فلان ، وعسكره كذا وولايته كذا وكانوا فوق الأربعين ، وكان فيهم آيتكين خال السلطان . فإنه استقبل القبلة وصلى ركعتين ومسح وجهه للتبرك بأركان الدار من الجانبين . وعاد السلطان وعليه الخلع السبع والطوق والسوار ، وقد ظهرت عليه من آثار الجلالة الأنوار . فمثل بين يدي السدة الشريفة ، وقبل الأرض مرات وأمر الخليفة مختصا خادمه فقلده بسيفين ، وقال الوزير أبو شجاع : « يا جلال الدين سيدنا أمير المؤمنين الذي اصطفاه اللّه لعز الخلافة ، واجتباه لشرف الإمامة ، واسترعاه للأمة ، واستخلفه للدين والملة ، وقد أوقع الوديعة عندك موقعها ، واصطفى الصنيعة عندك موضعها . وقلدك سيفين لتكون قويا