تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
دولة الديلم ، وأوائل دولة الترك ، وقد خربت الممالك بين إقبال هذه وإدبار تلك ، وقد أقفرت البلاد وأقوت ، واستولت الأيدي العادية عليها وتقوت . وقامت النوائح على النواحي ، والنوادب على النوادي . فأعاد الملك إلى النظام ، والدين إلى القوام . وعمر الولايات ، وولى العمارات . وكانت العادة جارية بجباية الأموال من البلاد ، وصرفها إلى الأجناد ، ولم يكن لأحد من قبل إقطاع ، فرأى نظام الملك أن الأموال لا تحصل من البلاد لاختلالها ، ولا يصح منها ارتفاع لاعتلالها . ففرقها على الأجناد إقطاعا ، وجعلها لهم حاصلا وارتفاعا . فتوفرت دواعيهم على عمارتها وعادت في أقصر مدة إلى أحسن حالة من حليتها . وكان للسلطان نسباء يدلون بنسبه ، ويدلون بسببه ، ويستطيلون بأنهم ذو قرابته فقصر أيديهم ، ومنع تعديهم . وساس جمهورهم بتدبيره ، ونظم أمورهم بسياسته . وربما قرر لواحد من الجند ألف دينار في السنة ، فوجه نصفه على بلد من الروم ، ونصفه على وجه في أقصى خراسان ، وصاحب القرار راض ، وليقينه بحصول ماله غير متقاض . وتوقيعه مأمون التعويق ، وتفويقه لسهم السداد مقرون بالتوفيق . فقسم الملك الذي حازه السيف بقلمه أحسن تقسيم ، وقومه أحسن تقويم . وكان ينظر في الأوقاف والمصالح ويرتب عليها الأمناء ، ويشدد في أمرها ، ويخوف من وزرها . ويرغب في أجرها ، ويكلها إلى الأمنة ، ولا يدعها مأكلة للخونة . ووظف على ملوك الأطراف وعلى أقاليم الممالك والأمصار حمولا لخزانة السلطان يحملونها ، وخدما عن عصمة ولايتهم يوصلونها . وقرر معهم الحضور إلى الخدمة وموالات الخدمات للحضرة ، والوصول بالعساكر الجمة . حتى ملأ الخزائن بالذخائر ، والملأ بالعساكر . ونشأ له أولاد كبروا في دولته ، فأوطأ عقبهم ، وأعلى رتبهم . ثم إنه لما وفر الأموال على الخزانة والعسكر ، جعل فيها لأرباب العلوم وأصحاب الحقوق حقوقا لا تؤخر ، ورسوما لا تغير . وصير إحسان السلطان بين أهل العلم ميراثا يأخذونه بقدر الفرائض ، ويأمنون بها من النوائب والعوارض . فلا جرم تذللت له المصاعب ، وتيسرت له المطالب ، ودانت له المشارق والمغارب .