كانت هذبته نكبة عميد الدولة وسيد الرؤساء . فلم يغتر من السلطان بذلك الإدناء .
لكنه تحيل عليه ، ودبت في الباطن عقاربه إليه . وكان يكرم مجد الملك المستوفي ويثني عليه عند السلطان . وكان سديد الملك أبو المعالي المفضل بن عبد الرزاق بن عمر عارض الجند فقربه أيضا تاج الملك ، وجعله من حزبه ، واستولى بهما على حيازة الأموال والأعمال ، وأنفقوا على حل نظام الملك ومخالفته ، وغيروا رأي السلطان في وزارته ، وراموا إزالة ذلك الطود العظيم ، ونثر ذلك السلك النظيم . وهو شيخ قد طعن في سنه ، وبلغ بقوته أمد وهنه ، وأيس من نجابة أولاده . وطال عمره حتى سئمه ، وأنس بالملمات فلن تؤلمه ، فلم يكترث بهم ، ولم يلتفت إليهم ولا تأثر بكيدهم ، ولم يقيم وزنا لعمرهم وزيدهم ، فقتل يوما غيلة بسكين ملحد ، ودفن بدفنه الجود والفضل والدين في ملحد . وذلك في سنة 485 ه .
وتوفي السلطان بعد قتل الوزير بثلاثة وثلاثين يوما . ولم يعش تاج الملك بعد ذلك أكثر من ثلاثة أشهر على الخوف والخطر ، ثم قتل قتلا ذريعا . وبضع بالسيوف تبضيعا . وسبب ذلك ، أن المماليك النظامية اتهموه بقتله ، فأجمعوا على عداوته ، وفتكوا له ، فعلم الناس أن سلامة تلك الدولة وأربابها ، وسلامة سلطانها ، كانت بسلامة ذلك الشيخ منوطة ، وبحياطته محوطة .
قال : ولما مل السلطان طول مدته ، واستطالة مكنته ، وأنفذ إليه يوما تاج الملك برسالة ، ووكل على لفظه بعين من أكابر خواصه ، حتى يبالغ في إبلاغها ، ولا يراقبه في أدائها . وكان مضمون الرسالة ، أنك استوليت على ملكي ، وقسمت ممالكي على أولادك وأصهارك والمماليك ، فكأنك لي في الملك شريك . أتريد أن آمر برفع دواة الوزارة من بين يديك ، وأخلص الناس من استطالتك ؟ فأجاب جواب مثبت رابط القلب ، حاضر اللب غير مرتاع ولا مرتاب ، وقال : « قولوا للسلطان : كأنك اليوم عرفت أني في الملك مساهمك ، وفي الدولة مقاسمك . وأن دواتي مقترنة بتاجك فمتى رفعتها رفع ، ومتى سلبتها سلب » . فلما سمع جواب الرسالة ، ازداد في غيظه عليه ، واستشاطته ، وكأن ما جرى على نظام الملك من الاغتيال تجويزا من السلطان مضمرا .
وأمرا مبيتا مدبرا .
قال : ونظم أبو المعالي النحاس أبياتا بالفارسية يخاطب فيها السلطان فقال ما
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 223
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٢٣