تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
رهوان ، فتمنيت مما كنت فيه من ألم القلب أن أكون راكبا مثل ذلك الفرس ، فتقرب التركماني مني واختلط بالموكلين بي وكلمهم ثم التفت إلى وقال : هل لك أن تقايض فرسك بفرسي ؟ فحسبت أنه يهزأ بي ، وقلت له يجوز مما أنا فيه من هذه المحنة أن لا تستهزئ بي ، فنزل في الحال عن فرسه وأعطانيه وأخذ فرسي . واليوم منذ ثلاثين سنة أتمنى لقاء ذلك التركماني وأسأل عنه ولا أجده . قال : وكانت علامة نظام الملك « الحمد للّه على نعمه » . وكان مؤيدا موفقا من جملة البشر ، مخصوصا من اللّه بالنصر والفتح والظفر . والدهماء ساكنة في أيامه ، وأهل الدين والعلم والفضائل راتعون في أنعامه . قال : وفي أيامه نشأ للناس أولاد نجباء ، وتوفر على تهذيب الأبناء الآباء ، ليحضروهم في مجلسه ويحظوا بتقريبه ، فإنه ، كان يرشح كل أحد لمنصب يصلح له ، بمقدار ما يرى فيه من الرشد والفضل ، ومن وجد في بلدة قد تميز وتبحر في العلم ، بنى له مدرسة ووقف عليها وقفا ، وجعل فيها دار كتب . قال : وكأنما عناه أبو الضياء الحمصي بقوله :
وما خلقت كفاك إلا الأربع * وما في عباد اللّه مثلك ثاني لتجريد هندي وإسداء نائل * وتقبيل أفواه وأخذ عنان
قال : وظهر من تدبيره في سياسة الممالك ما قاله سليمان بن عبد الملك : عجبت لهؤلاء الأعاجم ملكوا ألف سنة فلم يحتاجوا إلينا ساعة . وملكنا مائة سنة لم نستغن عنهم ساعة . قال : وفي عصره نشأ طبقات الكتاب الجياد . وفرّعوا المناصب ، وولوا المراتب . ولم يزل بابه مجمع الفضلاء ، وملجأ العلماء ، وكان نافذا بصيرا ، ينقب عن أحوال كل منهم ، ويسأل عن تصرفاته وخبرته ومعرفته ، فمن تفرس فيه صلاحية الولاية ولاه ، ومن رآه مستحقا لرفع قدره رفعه وأعلاه . ومن رأى الانتفاع بعلمه أغناه ، ورتب له ما يكفيه من جدواه ، حتى ينقطع إلى إفادة العلم ونشره ، وتدريس الفضل وذكره وربما سيره إلى إقليم خال من العلم ليحلي به عاطله ، ويحيي به حقه ويميت باطله . تولى الوزارة ، والملك قد اختل نظامه ، والدين قد تبدلت أحكامه ، في أواخر