ثم أخذ سلال العنب الكبار ، وترك فيها الحطب بعد أن سقاه بالنفط والزفت والكتان والكبريت ، ورماهم بسبعين سلة ، وأحرق البرجين الآخرين .
وعلم الصوريون أنهم وحدهم غير مستطيعين الصمود أمام الحملة الصليبية الكبيرة فاستنجدوا بطغتكين صاحب دمشق ، ووعدوه بأن يسلموا البلد إليه .
وإذا كان طغتكين هذا قد أقام علاقات مع الإفرنج وسالمهم وهادنهم كما ذكرنا فيما تقدم من القول ؛ فإنه اليوم قد نقض هدنتهم وقرر إنجاد الصوريين . ونريد أن نحسن الظن به ، فلا نقول إن الطمع بتملك صور وامتداد سلطته إليها هو الذي حمله على ذلك ، بل إن النخوة الإسلامية هي التي دفعته ، وربما السببان معا . . .
وسار حتى بلغ بانياس ، وسير إلى صور نجدة مئتي فارس ، فدخلوا البلد ، فاشتدت عزائم من فيه ، واستبسلوا في قتال الإفرنج . وقابل الإفرنج استبسالهم بمثله ، خوفا من تتابع النجدات .
وراح طغتكين يغير على أعمال الإفرنج حول دمشق ، ثم واصل السير باتجاه صور ، فقطع المياه عن الإفرنج ، فاستقدموها بحرا .
وهو مع ذلك يواصل أهل صور بالكتب يأمرهم بالصبر .
على أن موضع التساؤل هنا : لماذا لم يقدم هو نفسه بعسكره على إنجادهم وقد رأينا ما فعل وصول المآتى فارس إليهم ؟ ! .
كان أهل صور يقاتلون قتال من أيس من الحياة ، كما يصفهم ابن الأثير ، وذلك لأنهم يعلمون المصير الفظيع الذي سيصيرون إليه إذا انتصر الإفرنج ودخلوا عليهم البلد . وأخيرا يئس الإفرنج من النصر فانسحبوا من صور إلى عكا .
هذا الذي مر ذكره كان من أحداث سنة 506 ه ، وفي مطلع السنة 507 ه ، في شهر المحرم منها كان بغدوين ملك القدس يواصل غاراته على دمشق نفسها وينهب ويخرب ، حتى إن دمشق أصبحت في شبه حصار اقتصادي انقطعت فيه المواد عنها فعم الغلاء وقلت الأقوات ، فرأى حاكمها طغتكين أن يستعين بصديقه الأمير
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 131
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٣١