حاملا البشرى لا إلى حلب وحدها ، بل إلى بلاد الشام كلها بنجاح مساعيه ، واستجابة أولي الأمر إلى صوت الاستغاثة المنبعث من أعماق القلوب . . أم أن الوفد قد ظل في بغداد يراقب وينتظر ؟ أغلب الظن أنه كان قد عاد إلى حلب بعد أن لمس اليد أن ما يشبه النفير العام قد أعلن بين الأمراء .
والذي يلفت النظر هو اتساع الرقعة التي يسيطر عليها هؤلاء الأمراء وما يمكن أن يحشد منها من مقاتلين فمن تبريز إلى ديار بكر من جانب ، ومن مراغة إلى همذان وما جاورها من جانب آخر ، ومن إربل إلى الموصل إلى ماردين . . .
هذه الأرض الواسعة إذا أهيب بها بنداء : اللّه أكبر ، نداء منبعث من قلوب مخلصة ، وضمائر حية ، وحناجر متحمسة إذا أهيب بها ستتدفق منها الجماهير تدفق أمواج البحر الهائج صارخة : اللّه أكبر ، فتكتسح كل شيء . .
ولكن لا القلوب كانت مخلصه ، ولا الضمائر كانت حية ، ولا الحناجر كانت متحمسة ! . .
مشت جموع الأمراء إلى سنجار ، ففتحت عدة حصون للإفرنج ، حتى انتهت إلى حصار مدينة ( الرها ) ، ولكن الحصار لم يلبث أن فك عن الرها ، وعاد عنها الأمراء دون أن يفتحوها .
فقد قابل هذا التجمع الإسلامي تجمع صليبي استعد لمقابلته ، على أن لم يتعد مناوشات ومناورات وتبادل أمكنة استطاع معها الإفرنج إحكام أمر الرها ، فاستعاض الأمراء عن حصارها بحصار قلعة تل باشر فلم ينجحوا في فتحها فرحلوا عنها .
وتخلوا نهائيا عن قضية الجهاد ، وعادوا إلى التآمر بعضهم على بعض ، وعوضا عن أن يتوجهوا إلى الأرض المحتلة ، توجهوا إلى حلب فاستراب بهم صاحبها الملك رضوان فحال بينهم وبين دخولها ولم يجتمع بهم .
ومرض أحدهم الأمير سكمان القطبي ، ومات في بالس ، فجعله أصحابه في تابوت ، وحملوه عائدين إلى بلاده . فاغتنم هذه الفرصة رفيق سكمان في الجهاد ! !
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 129
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٢٩