يقول ابن الأثير : ( ولما استبد ابن ياسين بالأمر هو وأبو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالي وبقي لا حكم له تداخله الحسد ، وشرع سرا في إفساد الأمر ، فعلم بذلك منه وعقد له مجلس وثبت عليه ما نقل عنه ، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة وشق العصا وأراد محاربة أهل الحق ، فقتل بعد أن صلى ركعتين ، وأظهر السرور بالقتل طلبا للقاء اللّه تعالى ! . ) .
وفي هذا الكلام ما يغني عن أي تعليق ، سوى القول بأن إظهاره السرور بالقتل كان حقيقيا لأنه رأي في هذا القتل تكفيرا عن تسبيبه ما سبب . . .
جرى كل ذلك ، وابن ياسين مشتغل بالعلم ، وقد صار عنده جماعة يتفقهون ! - كما يقول ابن الأثير - .
اشتغل بالعلم وترك الذبح لأبي بكر بن عمر ، وتفقه عليه جماعة ، وذبح على يدي ابن عمر جماعات . وبالعلم الذي اشتغل به صدرت فتاواه بالقتل الجماعي .
هكذا تقاسما الأدوار ، ولما لم يبق للجوهر الجدالي دور سوى الاعتراض كان يجب أن يذبح ، فذبح بفقه ابن ياسين وسيف ابن عمر . .
يعلق ابن الأثير على نتائج المذبحة قائلا : ( فحينئذ دانت لهم قبائل الصحراء وهابوهم فقويت شوكة المرابطين ) ، ثم يقول معقبا على قتل الجوهر : ( فاجتمعت القبائل على طاعتهم ، ومن خالفهم قتلوه ) .
وهكذا ظلت المذبحة مستمرة : ابن ياسين يشتغل بالعلم ليستنبط الفتاوى بالذبح ، وابن عمر ينفذ الفتاوى ! ولم يكن استنباط الفتاوى يحتاج إلى كثير من العلم فابن الأثير يحدد الجريمة بقوله ( فمن خالفهم قتلوه ) .
وإذا كان الحكم بقتل الجوهر قد احتاج إلى ( حيثيات ) وتعليلات ، لمكانة الجوهر ، فالحكم على غيره بالقتل لا يحتاج إلى ( حيثيات ) ؛ بل إلى تطبيق مادة وحيدة ذكرها ابن الأثير : من خالف اقتلوه . .
ظل المرابطون في نطاق صحراوي بحت فلم يتمددوا في مناطق أخري ، وفي سنة 450 ه أي بعد سنتين من بدء دعوتهم قحطت بلادهم ، فقرر ابن ياسين أن
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 109
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٠٩