فقال الجوهر : أنت الأمير .
وهنا تبدّا دهاء الفقيه وحنكته السياسية وتخطيطه المحكم ، فقال : لا ، إنما أنا حامل أمانة الشريعة . ثم التفت إلى الجوهر قائلا :
ولكن أنت الأمير وكان الجوهر حكيما مخلصا حين رفض الإمارة قائلا :
لو فعلت هذا لتسلط قبيلي على الناس ، وكان وزر ذلك علي .
فقال ابن ياسين : الرأي أن نولي ذلك أبا بكر بن عمر ، رأس لمتونة وكبيرها ، وهو رجل سيد مشكور الطريقة مطاع في قومه فهو يستجيب لنا لحب الرئاسة وتتبعه قبيلته فنتقوى بهم .
فعادا إلى لمتونة التي خرجا منها وعرضا الأمر على أبي بكر بن عمر .
عندما جاءا أول الأمر إلى لمتونة ودعيا بدعوتهما ، لم يذكرا أمره ورئاسته ، لذلك لقيا إعراضا وتجهما ، أما اليوم ، وقد جاءا يقدمان مع الدعوة ما يقدمان من الإمرة والرئاسة فقد أسرع أبو بكر بن عمر إلى تلبيتهما ، فعقدا له البيعة .
ولكن المشكل كان في اللقب الذي يضفي على الأمير الجديد ، فالدعوة دينية وليست سياسية . وبالرغم من أنها اعتمدت السيف في طلب انتشارها ، وبالرغم من أنها عازمة على التسلط على الناس ، فلا بد لأميرها من لقب يميزها عن غيره من المعتمدين على السيف العازمين على التسلط .
ولم يكن ذلك ليعجز الفقيه الداهية البارع في التخطيط ، فكما كان حكيما في اختيار رئيس لمتونة للإمارة ، كان حكيما في اختيار لقبه ، إذ لقبه بأمير المسلمين . فإذا كان هناك من يلقب ( أمير المؤمنين ) ، فهنا من يلقب : ( أمير المسلمين ) .
ولما كانوا قد ضمنوا ولاء لمتونة باختيار رئيسها للقيادة ، فقد ذهبوا جميعا إلى جدالة التي فيها أنصار لهم ، فضموا أولئك الأنصار إلى رجال لمتونة ، فتآلف لهم من ذلك نواة جيش يمكن الاعتماد عليها في القتال . فقام ابن ياسين يحرض على الجهاد ، وأطلق على الجماعة اسم ( المرابطون ) .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 107
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٠٧