أما مخالفوهم فقد أقلقهم هذا التجمع ، فتكتلوا لمقاومته ، ولكن ابن ياسين منع المرابطين من الاصطدام بهم أملا بإصلاح من يمكن إصلاحه منهم وإضعافهم . فوفق في ذلك ولم يبق على عداء المرابطين سوى ألفي رجل ، فعمل ابن ياسين على حصارهم فخندق عليهم ، ثم صار المرابطون يخرجونهم جماعة بعد جماعة فيقتلونهم .
هكذا بدأ ابن ياسين يعاونه أبو بكر بن عمر دعوته الدينية بمذبحة رائعة لا شفقة فيها ولا رحمة ، وهكذا مشى إلى هدفه الديني دائسا على الجثث خائضا في الدماء ! . .
وإن دعوة - مهما سمت أهدافها - تفتتح بذبح ألفي رجل لهي دعوة جبارة تأباها الإنسانية ، ويأباها الدين ! .
وأي ضلال يكون فيه الناس ، لهو أهون من هدي يقود إلى ذبح الأسارى وتضريج الأرض بدم ألفي رجل في غير قتال . .
ونحن لا ندري إذا كان ( الجوهر الجدالي ) - وهو الثالث في القيادة المرابطية - قد كان من الأمرين بهذه المذبحة أم كان من الناهين عنها أو من المحايدين فيها ، ولا نعلم مقدار ما يتحمل من المسؤولية في تنفيذها ، ولكن الذي نعلمه أن الذبح قد وصل إليه .
لقد كان هو الأصل في قيام هذا الكيان ( المرابطي ) ، وكان هو الذي حمل الفقيه القيرواني على إرسال عبد اللّه بن ياسين ، وكان هو الذي أخذ بزمام جمل ابن ياسين وقاده بنفسه تواضعا للدين وتعظيما للداعي إليه .
ويبدو أن ( الجوهر ) لم يكن يحسب أن الأمر سيصل إلى قيام مذبحة ، بل كان في حسبانه أن ابن ياسين سيعمل بمنطوق الآية القرآنية الكريمة :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
[ النحل : 125 ] .
وقد رأيناه يرفض القيادة حين عرضها عليه ابن ياسين خوفا من تسلط قومه على الناس . لذلك فإنه يخيل إلى أنه عارض المذبحة واستنكرها فاستحق العقاب .