تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
( الجوهر ) من قبيلة جدالة ، ساقه حبه للدين إلى الذهاب للحج ، فمر بفقيه في مدينة ( القيروان ) يعظ جماعة ويفقههم في الدين . والجوهر القادم من الصحراء ، حيث البداة هناك كالبداة في كل صحراء لا يعرفون من الدين إلا ألفاظا يرددونها ، أصغى إلى هذا الفقيه وكلما طال إصغاؤه كثر تعجبه مما يسمع ، فالدين إذن ليس الشهادتين فقط ، إن له أحكاما لا يدرون في الصحراء منها شيئا . ومضى الجوهر إلى الحج ثم عاد مارا بالفقيه المفقه وأطلعه على ما في نفسه قائلا : ما عندنا من هذا في الصحراء من شيء غير الشهادتين والصلاة في بعض الخاصة ، فابعث معي من يعلمهم شرائع الإسلام . . وقفة ( الجوهر ) على الفقيه في طريق مسيره إلى الحج ، ثم وقفته عليه حين عودته من الحج وحديثه معه كانتا السبب في نشوء حركة دينية واسعة ، ثم في نشوء دولة مترامية الأطراف امتدت من شمال أفريقيا حتى أقاصي الأندلس ، نشبت فيها المعارك وسفكت الدماء وكثر القتلى ، وكان بينهم ( الجوهر ) نفسه . . . لقد لبى الفقيه طلب ( الجوهر ) فبعث معه رجلا اسمه عبد اللّه بن ياسين الجزولي ، وكان في نظره فقيها صالحا ، فسارا حتى بلغا قبيلة لمتونة ، فأول ما فعله الجوهر ليرفع منزلة الفقيه بين القبيلة أن نزل عن جمله وأخذ بزمام جمل الجزولي يقوده ، فأقبل الناس يهنئونه بالإياب ويسألونه عن رفيقه ، فأخبرهم أنه قادم ليشرح لهم العقائد الإسلامية ويدعوهم إلى تطبيقها ، فلما أفاض الجزولي في الحديث ، قالوا له : أما ما ذكرت من الصلاة والزكاة فقريب ، وأما قولك من قتل يقتل ، ومن سرق يقطع ، ومن زنى يجلد أو يرجم فأمر لا نلتزمه . اذهب إلى غيرنا . إن هذه الصورة من الحوار هي قبل كل شيء طريفة كل الطرافة ، ثم هي تدلنا على حقيقة تطبيق الإسلام لا في هذه الصحراء وحدها ، بل في الصحراوات كلها : فلا صلاة ولا زكاة ولا حدود ، إنهم لم يذكروا الصيام ، فهل كانوا يصومون ؟ .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 105 | عماد الدين الكاتب الأصبهاني