الأمصار وتواعدوا عند نهر جوخى « 1 » ، فاجتمعوا وأصبحت لهم شوكة ومنعة ، وكان عندهم بأس وشجاعة ، وحماسة ، وهم يحسبون أنهم بذلك يتقربون إلى اللّه .
وقام علي رضي الله عنه فخطب الناس ، وأنكر ما جرى مع الحكمين ، وبيّن كيف ضلّ الناس بأهوائهم ، وندب الناس إلى الخروج لقتال أهل الشام ، وأرسل إلى الخوارج يعلمهم بأنه ردّ حكومة الحكمين وسيسير إلى أهل الشام .
فكتبوا إليه : أما بعد فإنك تسير إلى أهل الشام غضبا لنفسك لا لربك ، فإن شهدت على نفسك بالكفر ، وتبت إلى اللّه نظرنا في أمرك .
فيئس علي منهم ، وقرر المسير إلى أهل الشام ، فبلغه أن هؤلاء الخوارج يعيثون في الأرض فسادا ، ويسفكون الدماء ، ويستحلون المحارم ، فأشار الناس على علي أن يبدأ بقتالهم ، فنادى مناديه بالمسير إليهم فلما وصل إليهم تقدم أشراف الصحابة فوعظوهم ، فكان ممن وعظهم قيس بن سعد بن عبادة ، ثم أبو أيوب الأنصاري ، ثم علي رضي اللّه عنهم ، وكان مما قاله علي لهم :
إنكم أنكرتم عليّ أمرا أنتم دعوتموني إليه ، وأبيتم إلا إياه ، فنهيتكم عنه فلم تقبلوا ، وإنكم قد سوّلت لكم أنفسكم أمرا تقتلون المسلمين عليه ، وو اللّه لو قتلتم دجاجة بغير حق لكان ذلك أمرا عظيما عند اللّه .
ثم التحم الفريقان فهزم هؤلاء الخوارج ، ولم يقتل من جيش عليّ إلا سبعة ، وأمر بالجرحى فسلمهم إلى أهليهم ليداووهم ، وأمر بالقتلى فسلمهم لأهليهم ليدفنوهم « 2 » .
هامش
( 1 ) - جوخى ، أو جوخاء : موضع بين واسط في العراق على طريق الحجاز . ( معجم البلدان ) للحموي 3 / 174 .
( 2 ) - انظر ( البداية والنهاية ) لابن كثير 5 / 391 - 397 . صحيح مسلم في [ كتاب الزكاة ] ، باب التحريض على قتال الخوارج ، الحديث رقم ( 1066 ) ، وسنن أبي داود في [ كتاب السنة ] ، باب :
في قتال الخوارج ، الحديث رقم ( 4763 ) ، وسنن ابن ماجة في [ المقدمة ] ، باب في ذكر الخوارج ، الحديث رقم ( 167 ) .