قيس مرّ على ملأ من بني تميم فقرأ عليهم كتاب الحكمين ، فقام عروة ابن جرير فقال : أتحكّمون في دين اللّه الرجال ؟
وثار القراء من الكوفة فقالوا : لا حكم إلا لله .
وتفرق الناس فعادوا إلى بلادهم ، وعاد علي فسمع في الطريق انتقاد الناس له ولومهم ، فعلم ضعف جيشه ، فأنشد قائلا :
أخوك الذي إن أحرجتك ملمّة * من الدهر لم يبرح لبثّك راحما
وليس أخوك الذي إن تشعّبت * عليك أمور ظلّ يلحاك لائما
« 1 » وصدق ظنّ علي فما إن وصل الكوفة حتى اعتزله من جيشه اثنا عشر ألفا وهم الخوارج ، وانتقدوا عليا ، وأبوا أن يساكنوه .
فبعث إليهم عليّ عبد اللّه بن عباس ، فناظرهم فرجع أكثرهم ، وبقي بقية منهم يكفّرون عليا لأنه قبل التحكيم في دين اللّه ، ويكفّرون معاوية وعمرو بن العاص لأنهما خرجا على علي وهو خليفة .
وكان هؤلاء الخوارج قوم نظروا إلى ظاهر بعض النصوص فلم يفهموا حقيقة المراد منها ، ولم ينظروا إلى ما عارضها مما هو أقوى منها ، فاستباحوا بذلك دماء المسلمين جهلا منهم بدين اللّه .
وقد وصفهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « تمرق مارقة على حين فرقة من الناس - وفي رواية : « من أمتي » ، وفي أخرى « من المسلمين » فيقتلها أولى الطائفتين » « 2 » .
هامش
( 1 ) - ( البداية والنهاية ) لابن كثير 5 / 380 .
( 2 ) - صحيح مسلم في [ كتاب الزكاة ] ، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ، الحديث رقم ( 1065 ) ، يقول ابن كثير في البداية والنهاية : هذا الحديث من دلائل النبوة إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به ، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين ، وأن أدنى الطائفتين إلى الحق ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدا ، ولكن عليا هو الإمام . انظر : ( البداية والنهاية ) لابن كثير 5 / 382 .