ثم تقدّم عليّ ، وهو في قلب الجيش ، فحرّض على الصبر والثبات والجهاد ، وتلا عليهم آيات القتال ، وكان مما قاله لهم :
قدّموا المدارع ، وأخّروا الحاسر ، وعضّوا على الأضراس ، فإنه أنكى للسيوف على الهام ، وألبوا إلى أطراف الرماح فإنه أفوق للأسنة ، وغضّوا الأبصار فإنه أربط للجأش ، وأثبت للقلب ، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ، وعليكم راياتكم ، لا تميلوها ، ولا تزيلوها ، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم .
ثم خرج علي فقاتل حتى قيل إنه قتل خمسمئة رجل ، وكان ممن برز إليه عمرو بن العاص ، ولكنه تراجع عنه .
واشتد القتال وانهزم أهل العراق ، وقتل عمار بن ياسر مع علي رضي الله عنه .
وقد علم المسلمون قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم في عمار : « ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية » « 1 » ، فلما كان أصحاب معاوية يرون عمار يقاتل في جيش علي يتكلمون في ذلك مع معاوية وعمرو بن العاص ، فيقول لهم عمرو : إنه سيرجع إلينا .
فلما أصيب عمار وقتل قال معاوية : إنما قتله من أخرجه ، ويعني عليا رضي الله عنه « 2 » .
ثم استمرّ القتال حتى أصبح الناس يوم الجمعة وهم كذلك ، وصلى الناس الصبح إيماء ، وهم في القتال حتى صار الضحى ، وانهزم جيش الشام .
فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يرسل إلى علي بمصحف ، ويدعوه إلى كتاب اللّه ، فأرسل معاوية إلى علي فقال :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ
هامش
( 1 ) - سنن الترمذي في [ المناقب ] ، باب : مناقب عمار بن ياسر ، الحديث رقم ( 3800 ) عن أبي هريرة ، وقال : حسن صحيح غريب .
( 2 ) - ( البداية والنهاية ) لابن كثير 5 / 369 . ومسند الإمام أحمد ، 4 / 199 ، 2 / 206 . والسنن الكبرى للبيهقي ، 8 / 189 .