أعرفه ، ولكن ضلّ رشدي ولقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « من زلّ فليتب ، ومن أخطأ فليتب ، ولا يتمادى في الهلكة ، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق » « 1 » فأنا أول من اتعظ ، أستغفر اللّه مما فعلت وأتوب فمثلي نزع وتاب ، فإن نزلت فليأتني أشرافكم ، فو اللّه لأكونن كالمرقوق إن ملك صبر ، وإن عتق شكر ، وما عن اللّه مذهب إلا إليه .
قال : فرق الناس له وبكى من بكى ، وقام إليه سعيد بن زيد فقال : يا أمير المؤمنين ! اللّه اللّه في نفسك ! فأتمم على ما قلت . فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس ، وجاءه مروان بن الحكم فقال : أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت ؟ فقالت امرأة عثمان - نائلة بنت الفرافصة الكلبية - من وراء الحجاب : بل اصمت ، فو اللّه إنهم لقاتلوه ، ولقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها .
فقال لها : وما أنت وذاك ؟ فو اللّه لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضأ .
فقالت له : دع ذكر الآباء ، ونالت من أبيه الحكم ، فأعرض عنها مروان .
وقال لعثمان : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت ؟
فقال له عثمان : بل تكلم .
فقال مروان : بأبي أنت وأمي ، لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنع منيع ، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ، ولكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين « 2 » ، وبلغ السيل الزّبى « 3 » ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل ، واللّه لإقامة على خطيئة يستغفر منها ، خير من توبة خوف عليها ، وإنك لو شئت لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة ، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس .
هامش
( 1 ) - لم أعثر على الحديث في شيء من كتب السنة ، وهو في ( البداية والنهاية ) لابن كثير 5 / 257 .
( 2 ) - جاوز الحزام الطبيين : أي اشتد الأمر وتفاقم ، وهو مثل . ( مجمع الأمثال ) للميداني ، 1 / 166 .
( 3 ) - بلغ السيل الزّبى : أي اشتد الأمر وتفاقم ، وهو مثل . ( لسان العرب ) لابن منظور ، 14 / 353 .