ولم يبق لهم شبهة ، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم رضي الله عنه وردهم على وجوههم فرجعوا خائبين من حيث أتوا ، ولم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا وراموا ، ورجع علي إلى عثمان ، فأخبره برجوعهم عنه ، وسماعهم منه ، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه ، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك ، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله ، وأنه لا يحيد عنها ، كما كان الأمر أولا في مدة ست سنين الأول ، فاستمع عثمان هذه النصيحة ، وقابلها بالسمع والطاعة ، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس رفع يديه في أثناء الخطبة ، وقال :
اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك ، اللهم إني أول تائب مما كان مني ، وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون ، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم ، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك ، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان ، أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه ، لا يمنع أحد من ذلك ، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله ، وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال لا يمنع أحد من ذلك مدة .
ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له : تكلم كلاما تسمعه الناس منك ويشهدون عليك ، ويشهد اللّه على ما في قلبك من النزوع والإنابة ، فإن البلاد قد تمخضت عليك ، ولا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة ، فتقول : يا علي اركب إليهم ، ويقدم آخرون من البصرة فتقول : يا علي اركب إليهم ، فإن لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك . قال : فخرج عثمان فخطب في الناس وأعلمهم من نفسه بالتوبة ، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال :
أما بعد ، أيها الناس ، فو اللّه ما عاب من عاب شيئا أجهله ، وما جئت شيئا إلا وأنا
بين السنة والشيعة — صفحة 71
مساهمون: محمد شريف عدنان الصواف
ص٧١