إن الذي أرجّحه أن المعنى العام لسبيل اللّه لا يصلح أن يراد هنا لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة لا تحصر أصنافها فضلا عن أشخاصها ، وهذا ينافي حصر مصارف الزكاة في ثمانية كما هو ظاهر الآية ، وكما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن اللّه لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو ، فجزأها ثمانية أجزاء » « 1 » .
كما أن سبيل اللّه بالمعنى العام يشمل إعطاء الفقراء والمساكين ، وبقية الأصناف السبعة الأخرى لأنها جميعها من البر وطاعة اللّه ، فما الفرق إذن بين هذا المصرف ، وما سبقه ، وما يلحقه ؟ ! .
إن كلام اللّه البليغ المعجز يجب أن ينزّه عن التكرار بغير فائدة ، فلا بد أن يراد به معنى خاص يميّزه عن بقية المصارف ، وهذا ما فهمه المفسرون والفقهاء من أقدم العصور فصرفوا معنى سبيل اللّه إلى الجهاد ، وقالوا : إنه المراد عند إطلاق اللفظ .
وصحت أحاديث كثيرة عن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه تدل على أن المعنى المتبادر لكلمة ( سبيل اللّه ) هو الجهاد ، - ثم ذكر عدة أحاديث - فهذه القرائن كلها كافية في ترجيح أن المراد من سبيل اللّه في آية المصارف هو الجهاد .
وقد أيّد ذلك حديث : « لا تحلّ الصدقة لغني إلا لخمسة . . . » « 2 » .
ولهذا أؤثر - والكلام للدكتور القرضاوي - عدم التوسع في مدلول ( في سبيل اللّه ) بحيث تشمل كل مصالح المسلمين ، والقربات ، كما أرجّح عدم التضييق فيه ، بحيث لا يقتصر على الجهاد بمعناه العسكري المحض .
إن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان كما يكون بالسيف والسنان ، وقد يكون
هامش
( 1 ) - سنن أبي داود في [ كتاب الزكاة ] ، الحديث رقم ( 1630 ) .
( 2 ) - سنن أبي داود في [ كتاب الزكاة ] ، باب : من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني ، الحديث رقم ( 1636 ) ، وسنن ابن ماجة في [ كتاب الزكاة ] ، باب : من تحلّ له الصدقة ، الحديث رقم ( 1841 ) ، و ( المستدرك ) للحاكم ،
1 / 407 ، وقال : صحيح على شرط الشيخين .