حجة ، فاتفاق الناس يمكن أن يكون بعضه عن دليل السمع الدال على قبح هذه الأشياء ، وفي الملاحدة من لا يعتقد قبح هذه الأشياء ، ولا حسن نقائضها ، فكيف يدّعى اتفاق العقلاء .
واحتجوا بأنّا نعلم قطعا أن من استوى عنده الصدق والكذب آثر الصدق ، ومال إليه إن كان عاقلا ، وليس ذلك إلا لحسنه ، وعلى الجملة استحسان مكارم الأخلاق ، وإفاضة النعم مما لا ينكره عاقل إلا عن عناد .
والجواب : أنّا لا ننكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق ، وكونها محمودة مشهورة ، ولكن مستندها إما إلى التدين بالشرائع ، أو إلى موافقتها للأغراض ، ونحن إنما ننكر هذا في حق اللّه لانتفاء الأغراض عنه ، فأما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور بينهم فيستمد من الأغراض ، ولكن قد تدق الأغراض ، وتخفى فلا ينتبه لها إلا المحققون .
ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه ، وهي ثلاث مثارات يغلط الوهم فيها :
الأولى : أن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه ، وإن كان يوافق غرض غيره ، أو كان يحكم عليه بالقبح في بعض الأحوال ، ويحكم عليه بالحسن في أحوال أخرى .
الثانية : أن ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال إلا في حالة واحدة قد لا يلتفت الوهم إلا إلى تلك الحالة فيقضي عليه بالقبح مطلقا لاستيلاء ذلك على وهمه ، أو لطول نشأته على ذلك ، فإنه إذا ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب والإرشاد أن الكذب قبيح ، لا ينبغي أن يقدم عليه أحد في أي حال ، لم يحكم عقله بجواز الكذب في بعض الحالات التي يترتب فيها على الصدق ضرّ أكبر .
الثالثة : قد يكون أمر مقرونا بشيء عارض ، فيظن بسبب الوهم أنه مقرون بهذا الشيء لا محالة لقبح ما يقترن به ، حتى إن الطبع لينفر عن الحسناء إذا سميت بأسماء
بين السنة والشيعة — صفحة 369
مساهمون: محمد شريف عدنان الصواف
ص٣٦٩