فيكون فعل اللّه حسنا في كل حال ، خالف الغرض أو وافقه ، وعلى هذا إذا لم يرد الشرع لا يتميز فعل عن غيره إلا بالموافقة والمخالفة ، ولا يكون صفة للذات .
ثم قال : وأنتم منازعون فيما ذكرتموه في ثلاثة أمور :
أحدها : في كون القبح وصفا ذاتيا .
والثاني : في قولكم إن ذلك مما يعلمه العقلاء بالضرورة .
والثالث : في ظنكم أن العقلاء لو توافقوا عليه لكان ذلك حجة مقطوعا بها ، ودليلا على كونه ضروريا « 1 » .
أما الأول ، وهو دعوى كونه وصفا ذاتيا فهو تحكّم بما لا يعقل ، فإن القتل عندهم قبيح لذاته شرط أن لا تسبقه جناية ، ولا يعقبه عوض ، فكيف جاز إيلام البهائم وذبحها ، ولم يقبح من اللّه تعالى ذلك لأنه يثيب عليه في الآخرة ، والقتل في ذاته له حقيقة واحدة لا تختلف بأن تتقدمه جناية أو تتعقبه منفعة ، إلا من حيث الإضافة إلى الفوائد والأغراض ، وكذلك الكذب كيف يكون قبحه ذاتيا ، ولو كان فيه عصمة دم نبي بإخفائه عن ظالم يقصد قتله لكان حسنا ، بل واجبا يعصى بتركه ، فكيف يتبدل الوصف الذاتي بالإضافة إلى الأحوال ؟
وأما الثاني : وهو كونه مدركا بالضرورة ، وكيف يتصور ذلك ونحن ننازعكم فيه ؟
والضروري لا ينازع فيه خلق كثير من العقلاء ، ولا يبعد التباس مدرك العلم ، وإنما يبعد الخلاف في نفس المعرفة ولا خلاف فيها ، فكلامكم فاسد لأننا ننازعكم في نفس المعرفة والعلم لا في مدركها .
وأمّا الثالث : فهو أنّا لو سلمنا اتفاق العقلاء على هذا أيضا لم تكن فيه
هامش
( 1 ) - ( المستصفى ) للغزالي ، ص 137 - 151 بتصرف .