وبسبب عدم وضوح المقصود من الدليل العقلي انتحى الإخباريون الإمامية باللائمة على الأصوليين إذ يأخذون بالعقل حجة على الحكم الشرعي . ولكنهم أنفسهم أيضا لم يتضح مقصودهم في التزهيد بالعقل ، وهل تراهم يحكمون غير عقولهم في التزهيد بالعقول ؟
ويتجلى لنا عدم وضوح المقصود من الدليل العقلي بما ذكره الشيخ المحدث البحراني في ( حدائقه ) ، وهذا نص عبارته « 1 » : المقام الثالث في دليل العقل . وفسره البعض بالبراءة والاستصحاب . وآخرون قصروه على الثاني . وثالث فسره بلحن الخطاب ، وفحوى الخطاب ودليل الخطاب . ورابع ذكره بعد البراءة الأصلية ، والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج فيه مقدمة الواجب واستلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص ، والدلالة الالتزامية .
ثم تكلم عن كل منها في مطالب عدا التلازم بين الحكمين لم يتحدث عنه . ولم يذكر من الأقوال حكم العقل في مسألة الحسن والقبح ، بينما أن حكم العقل المقصود الذي ينبغي أن يجعل دليلا هو خصوص التلازم بين الحكمين وحكم العقل في الحسن والقبح . وما نقله من الأقوال لم يكن دقيقا كما سبق بيان بعضها « 2 » .
وهكذا يتبين لنا اختلاف فقهاء الإمامية في اعتماد دليل العقل وحجيته واختلافهم كذلك في معناه ، وما يدخل فيه وما لا يدخل .
والظاهر من نصوص فقهاء الإمامية أنه لا يمكن للعقل الاستقلال بالتشريع ابتداء ، ولكنه يدرك المتلازمات في الأحكام الشرعية ، والمقدمات المنطقية ، وما لا يتم الواجب من الأحكام إلا به ، ويسير عليها ، والذي يظهر هنا أنه يشبه من وجوه كثيرة
هامش
( 1 ) - ( الحدائق ) للبحراني 1 / 40 ، طبع النجف .
( 2 ) - انظر : ( أصول الفقه ) للمظفر ، ص 109 - 112 .