بل إن نفس الشيخ الطوسي - الذي حمل حملة كبيرة على ابن الجنيد وقال إنه ترك كتبه لاستعماله القياس - لم يسلم من الاتهام بالقياس والاستحسان ، حيث نقل صاحب ( الحدائق ) عن صورة إجازة بعض مشايخه ما نصه :
كان هذا الشيخ المطلق رئيس المذهب وإماما في الفقه والحديث ، إلا أنه كان كثير الاختلاف في الأقوال ، وقد وقع له خبط عظيم في كتابي الأخبار في تمحله للاحتمالات البعيدة والتوجيهات غير السديدة ، وكانت له خيالات مختلفة في الأصول ، ففي ( المبسوط ) و ( الخلاف ) مجتهد صرف ، وأصولي بحت ، بل ربّما سلك مسلك العمل بالقياس والاستحسان في كثير من مسائلهما ، كما لا يخفى على من أرخى عنان النظر في مجالهما ، وفي كتاب ( النهاية ) سلك مسلك الإخباري الصرف ، بحيث إنه لا يتجاوز مضامين الأخبار ، ولم يتعدّ مناطيق الآثار - وإن نقل عن صاحب الإجازة أيضا أنّه قال بعد ذلك - وقد اعتذر بعض علمائنا بأنه سلك في الكتابين المذكورين مسلك العامة تقية واستصلاحا ومماشاة لهم :
حيث إنه شنّعوا على علماء الشيعة بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد والاستنباط ، وليس لهم قدرة على التفريع والاستدلال ، وأيد هذا الاعتذار الفاضل محمد بن إدريس الحلي رحمه اللّه بأن الشيخ في ( النهاية ) لم يسلك مسلك الفتوى ، وإنما سلك مسلك الرواية ، وكتابه كتاب رواية ، لا كتاب فتوى ودراية ؛ ثم قال في مقام تزييف اعتذار ذلك البعض : ولعمري أنّه ما أصاب ولا أنه عرف حقيقة الجواب ، وإن كان ما ذكره ( ذلك البعض ) غير مسلّم ، والحق أن الشيخ صارت له حالات متناقضة وأمور متعارضة ، لأنه كان حديد الذهن ، شديد الفهم ، حريصا على كثرة التصانيف وجمع التواليف « 1 » .
ومن الأمثلة الأخرى التي هوجم فيها الشيخ الطوسي بالاستحسان رأيه في مسألة انتقال المال إلى الإمام مع عدم وجود وارث مسلم وإسلام أحد الورثة بعد الموت حيث ذهب إلى التفصيل بين صورة ما إذا وضع في بيت مال المسلمين فلا يرث وبين ما إذا
هامش
( 1 ) - ( روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات ) للميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري ، ص 217 ، و ( لؤلؤة البحرين ) ليوسف بن أحمد البحراني ، ص 297 .