من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد سلام اللّه عليكم ، فإني أحمد اللّه الذي لا إله إلا هو أما بعد : عصمنا اللّه وإياك بطاعته في السر والعلانية ، وعافانا وإياكم من كل مكروه .
اعلم رحمك اللّه أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة مخالفة لما عليه الناس عندنا ، وببلدنا الذي نحن فيه ، وأنت في أمانتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك ، وحاجة من قبلك إليك ، واعتمادهم على ما جاء منك ؛ حقيق بأن تخاف على نفسك ، وتتبع ما نرجو النجاة باتباعه ، فإن اللّه تعالى يقول في كتابه :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
[ سورة التوبة : 9 / 100 ] .
وقال تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ سورة الزمر : 39 / 18 ] .
فإنما الناس تبع لأهل المدينة ، إليها كانت الهجرة ، وبها تنزل القرآن ، وأحل الحلال ، وحرّم الحرام ، كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بين أظهرهم ، يحضرون الوحي والتنزيل ، ويأمرهم فيطيعونه ، ويسنّ لهم فيتبعونه حتى توفاه اللّه ، واختار له ما عنده ، صلوات اللّه عليه ورحمته وبركاته .
ثم قام من بعده الناس من أمته ممن ولي الأمر من بعده ، بما نزل بهم فما علموا أنفذوه ، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه ، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا ذلك في اجتهادهم ، وحداثة عهدهم ، وإن خالفهم مخالف ، أو قال امرؤ : غيره أقوى منه وأولى . ترك قوله ، وعمل بغيره .
ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ، ويتبعون تلك السنن ، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به لم أر لأحد خلافه ، للذي بين أيديهم من تلك الوراثة