الخلاف فيه موجود في المدينة كما هو موجود في غيرها ، فقد كان ابن عمر يرى إفراد الأذان ، والقول فيه : حي على خير العمل ، وكان بلال يكرر قد قامت الصلاة ، ومالك لا يرى ذلك ، وكان الزهري يرى الزكاة في الخضراوات ومالك لا يراها « 1 » .
والخلاصة في ذلك أن جمهور الفقهاء من علماء السنة والشيعة لم يعتمدوا إجماع أهل المدينة حجة في أدلة الأحكام ، وانفرد المالكية بذلك ، وإن كانوا لم يتفقوا على المراد به .
المطلب الخامس - الأخذ بالأقل وموقف الفقهاء منه :
ومما أدرجه بعض العلماء في مباحث الإجماع : الأخذ بالأقل ، والمقصود به أن توجد أقوال في مسألة ، وليس هناك ما يرجح أحدها ، وتكون هذه الأقوال متفقة فيما بينها على قسط معين - وهو الأقل - ومختلفة فيما زاد عنه ، فيتمسك بهذا القسط بعض العلماء ويعتبرونه في حكم الإجماع على هذا القدر « 2 » .
وقد مثل العلماء لذلك بدية الذمي ، وذلك إذا قتل مسلم ذميا ، فقد اتفق الفقهاء على وجوب الدية ، واختلفوا في مقدارها على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه كدية المسلم وهو قول أبي حنيفة .
الثاني : أنه على النصف من دية المسلم وهو قول مالك وأحمد .
الثالث : أنه ثلث دية المسلم ، وهو مذهب الشافعي ، واستدل عليه بأنه أقل ما روي عن الصحابة في ذلك .
وقد اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه احتجاجه بذلك ، وروي الاحتجاج به عند بعض
هامش
( 1 ) - انظر : ( الإحكام ) لابن حزم ، 4 / 208 ، و ( اللباب في أصول الفقه ) للداوودي ، ص 241 .
( 2 ) - ( أثر الأدلة المختلف فيها ) للدكتور البغا ، ص 634 . و ( الأدلة التشريعية وموقف الفقهاء من الاحتجاج بها ) للدكتور الخن ، ص 480 .